مهدّدات السلم في مجتمعاتنا العربية

تحرص دولة الإمارات على تعزيز قيم الإنسانية في نفوس أبنائها، ليس فقط من منطلق أنها من أساسيات ثقافتها العامة وإرثها الوطني، بل لأن هذه القيم مهمة لبناء الأوطان وللسلم العالمي بشكل عام. ولهذا تحتضن سنوياً منتدى «تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة» في العاصمة أبوظبي.

فبالإضافة إلى ممثلي الديانات السماوية الكبرى الثلاث شهد المنتدى حضور ممثلين عن المعتقدات الأخرى والمذاهب التي يضج بها العالم الإسلامي ويتعايش اتباعها مع أصحاب الديانات الاخرى لقرون طويلة. والهدف الرئيس لهذا المنتدى هو بث روح السلم والسلام في المجتمعات الإسلامية ومناقشة مهددات السلم الاجتماعي والعوائق التي تحول دون وجود تعايش حقيقي.

وفي واقع الأمر فإن مجرد لقاء تلك المجموعات وجهاً لوجه ومناقشة أهم القضايا التي تحول دون تمهيد الأرضية لجعل السلم والتعايش حقيقة واقعة هو أول خطوة في طريق التعايش الحقيقي. ولو نظرنا واقع الأديان السماوية والوضعية فإنها جميعاً تقوم على مفهوم التعايش بين البشر والخير والعدالة الاجتماعية للبشرية جمعاء.

ولكن هذه القيم الجميلة قد يحيد عنها الإنسان أحياناً لتحقيق مصالح ضيقة وخاصة وجشعة الأمر الذي يهدد المجتمع ككل. وبما أننا ننطلق من حقيقة وهي أن سلامة الوطن الصغير تقود لسلامة الوطن الكبير ألا وهو العالم، إذاً فتشجيع السلم الداخلي يقود للسلم مع الجوار ومع العالم الكبير.

ولكن ما مهددات السلم والتعايش في أي مجتمع؟ ولماذا تطفو على السطح أحياناً قضايا تهدد السلم الاجتماعي؟ انطلاقاً مما شهدناه في عالمنا العربي مؤخراً فإن هناك عوامل تقود لزعزعة السلم والتعايش الداخلي في مجتمعاتنا العربية، وتعمل على زرع فتيلة العداوة والكراهية بين الأطياف المختلفة التي تتشارك في المجتمع.

وهذه العوامل بعضها داخلي نابع من التركيبة الاجتماعية والإثنية للمجتمع والأخرى خارجية نابعة من المتغيرات العالمية كالعولمة والانفتاح وتلاقح الحضارات.

العوامل الداخلية تكمن في محاولة البعض استخدام الدين كمطية لزعزعة الأمن والاستقرار وبالتالي السلم في الداخل والخارج، فقد شهد عالمنا العربي مؤخراً خروج بعض الجماعات الأصولية عن حكم الدولة الوطنية ومحاولتها اختطاف الدين وزعزعة أمن المجتمع على اعتبار أنها الممثلة الوحيدة للدين والمالكة الوحيدة للحقيقة، حتى لو أدى ذلك إلى هدر أرواح الأبرياء.

في نفس الوقت فإن تقصير بعض أنظمة الحكم في واجباتها الوطنية تجاه مواطنيها، يؤدي إلى تهديد السلم والأمن الاجتماعي الذي هو أحد أهم مقاصد الدولة.

لذا فإن استعادة السكينة في الدين وقيام الدولة بواجباتها الوطنية هما الضمانة لإحلال السلام والأمن في المجتمع وبالتالي في العالم. ويجدر بالمجتمعات الإسلامية أن تفخر بأنها تملك تراثاً إسلامياً ثرياً بقيم التعايش السلمي والدعوة للاعتراف بالآخر. ففي القرآن الكريم «إنا خلقناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم».

إذاً فالقرآن الكريم يعلي قيمة التعارف بين البشر على أساس العدل والمساواة ونشر الخير والذي بشرت بها جميع الأديان السماوية والوضعية. فاستعادة السكينة الدينية والاجتماعية لا شك بأن لها دوراً كبيراً في إحلال السلم في المجتمع وفي العالم أجمع.

إن أهم تحد يواجه المجتمعات المسلمة يكمن في حقيقة أن الشباب يبحثون عن حقوقهم ووضعهم المجتمعي وآمالهم المستقبلية. وقد أدركت بعض الجماعات الأصولية حقيقة هذا التحدي فعرضت نفسها كبديل يحقق للشباب ما يبحثون عنه من آمال وطموحات مستحقة.

وقد انخدعت بعض الفئات الشبابية بهذه الشعارات الوهمية واندرجت في صفوف تلك الجماعات لتجد نفسها في نهاية الأمر وقد ضيعت أرواحها وأوطانها معاً.

ولهذا فإن تجديد الخطاب الديني الموجه نحو فئة الشباب وأخذ تلك الفئة في الاعتبار بالإضافة بالطبع إلى دور المؤسسة الحاكمة في توفير مظلة الحماية الاجتماعية للفرد هو ضمانة أكيدة من خروج الفرد عن مظلة الدولة الوطنية إلى مظلة الجماعات المهددة للسلم الوطني والتعايش السلمي بين أفراد المجتمع الواحد.

إن احتضان الإمارات مثل هذه المنتديات هو إدراك من الدولة لدورها العالمي في قضية مهمة تهم العالم الإسلامي والعالم بأكمله. فقد عانى العالم الإسلامي منذ عقود لعملية تشويه قامت بها بعض الفئات لجر العالم الإسلامي كله إلى منحدر كئيب تسيطر عليه جماعات ظلامية لا تفرق بين الحق والباطل.

فإسهام الإمارات في فضح حقيقة تلك التيارات الظلامية وتبيان حقيقة القيم الإسلامية الناصعة هي خطوة في الطريق الصحيح.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات