الصين وأميركا.. حرب تجارية أم احتواء استراتيجي ؟ - البيان

تحليل

الصين وأميركا.. حرب تجارية أم احتواء استراتيجي ؟

الحرب التجارية الراهنة بين الولايات المتحدة والصين حدث مفتوح على تطورات كثيرة. الرئيس الأميركي دونالد ترامب يركز على ممارسات الصين التجارية التي يعتبرها غير عادلة، باعتبار أن بكين تتبع سياسة تجارية مستفيدة مما تتمتع به منتجاتها من دعم وحماية الدولة الصينية.

وبسبب سعر الصرف للعملة الصينية، بما يمكن المنتجات الصينية من الفوز في منافسات سعرية «غير عادلة» مع منتجات الدول الأخرى. بالإضافة إلى ذلك تتهم واشنطن الصين بانتهاك قواعد حماية العلامات التجارية وحقوق الملكية الفكرية وأساليب الهندسة العكسية والتجسس الصناعي والتكنولوجي، لتعزيز قدراتها التنافسية.

لقد تمتعت الصين بميزة تنافسية كبيرة تمثلت في الأجور المنخفضة للعمال الصينيين، الأمر الذي شجع المئات من الشركات اليابانية والأميركية والأوربية لنقل مصانعها إلى الصين، ومكن المنتجات الصينية من النفاذ إلى الأسواق الأميركية وأسواق الدول الأخرى بسهولة.

غير أن هذا لم يكن كافياً لحكومات صينية أرادت تحقيق أسرع قفزة ممكنة في النمو الاقتصادي، فكان أن طبقت الكثير من أساليب التجارة «غير العادلة»، ونجحت في تحقيق هدفها.

ترامب مشغول كثيراً بالاقتصاد وحسابات المكسب والخسارة من النواحي الاقتصادية والمالية، وهو يثق في قدراته التفاوضية، ويرى أنه عبر الضغط على الصين سيكون قادراً على إجبارها على التخلي عن الممارسات التجارية «غير العادلة»، والقبول بقواعد جديدة للعلاقات الاقتصادية بين البلدين، وهو لهذا يتحدث عن استعداده لعقد اتفاق جديد – بشرط «أن يكون عادلاً» – مع الصين.

نظرة مختلفة

لكن هناك آخرين في الولايات المتحدة ينظرون للصين بطريقة مختلفة. فبالنسبة لقطاع كبير من المفكرين الاستراتيجيين فإن الصين لا تمثل فقط خطراً تجارياً، إنما بالأساس خطراً استراتيجياً. فالصين تتقدم بسرعة إلى مرتبة القوة العظمى القادرة على مزاحمة الولايات المتحدة، لتنهي بذلك حقبة ما بعد الحرب الباردة التي تمتعت فيها الولايات المتحدة منفردة بمرتبة القوة العظمى بعد تراجع الاتحاد السوفيتي.

صعود الصين إلى مرتبة القوى العظمى هو مسألة مؤكدة في رأي الغالبية الساحقة من المختصين، وإن كان هناك بينهم من يرى أوجه ضعف جدية في بنية المجتمع والدولة والاقتصاد الصيني، الأمر الذي قد يعرض الصين لانتكاسات تمنعها من الوصول إلى هذه المرتبة.

ومع هذا فإن أهل الاختصاص يختلفون حول الطريقة التي ستصل بها الصين إلى الصف الأول في قيادة النظام الدولي، وما إذا كان ذلك سوف يتم بشكل هادئ وسلمي فيما يخص العلاقة مع الولايات المتحدة، أم أنه سيجري بشكل صراعي، وما إذا كان البلدان سيكونان قادرين على التعاون في قيادة النظام الدولي، أم أن الصراع بينهما سيكون هو الغالب.

ففيما وراء النظرة التجارية للرئيس ترامب يتطلع المفكرون والمخططون الاستراتيجيون لرؤية ما إذا كان الصراع الراهن بشأن شروط التجارة هو الشكل الذي سيتخذه الصراع بين البلدين، خاصة وأن قليلين جداً من بين المختصين يعتقدون في إمكانية وجدوى الدخول في صراع عسكري مسلح مع الصين.

استشعار أميركي

لقد نبهت المبادرات الصينية في مجالات التسلح والسيطرة على بحر الصين قرون الاستشعار الاستراتيجي لدى أميركا، فكان ردها في مجال التجارة، أما الخطوة التالية فأمر يصعب التنبؤ به، إذ إن المسؤولين الصينيين وترامب يتحدثون عن إمكانية التوصل لاتفاق حول التجارة عبر المفاوضات. لكن إلزام الصين بالعمل وفقاً لقواعد التجارة العادلة له تكلفة عالية جداً لا تبدو الصين مستعدة لتحملها.

في نفس الوقت فإن تصعيد المواجهة التجارية يمكن له أن يؤدي تدريجياً إلى انقسام رأسي في النظام الاقتصادي الدولي، فبدلاً من العولمة التي بشرت بقرية كونية وسوق عالمية واحدة.

فإن مواصلة سياسة عزل الصين ستؤدي عملياً إلى ظهور نظامين متوازيين للتجارة الدولية، تقبع الولايات المتحدة في مركز أحدهما، فيما تحتل الصين مركز النظام الآخر، في عودة لنظام القطبية الثنائية وسياسة المعسكرين، لكن هذه المرة على أساس المصالح الاقتصادية وليس على أساس إيديولوجي.

لن يكون من الممكن منع الصين من الوصول إلى مكانة الدولة العظمى، لكن يمكن إبطاء هذا الصعود، بنظر كثيرين. لقد عرف الصينيون الطريق للنمو الاقتصادي والتقدم التكنولوجي والعلمي، وباتت لديهم خبرات لا تقدّر بمال، وبنية مؤسسية قوية تسمح لهم بمواصلة التقدم. وضع الصين الحالي يختلف تماماً عن دول الكتلة الشيوعية السابقة.

وبخاصة الاتحاد السوفيتي السابق الذي كانت لديه مؤسسات فائقة التطور للبحث والتطوير التكنولوجي العسكري، لكنها لم تزد عن كونها حالة استثنائية ليس لها صلة بما يجري في باقي أنحاء المجتمع الذي أصابه الركود وعششت فيه البيروقراطية والفساد، وفي النهاية انهار النظام كله دون أن يحميه تقدّمه التكنولوجي والعسكري.

العقوبات الأميركية غير قادرة على القضاء على الظاهرة الصينية المدهشة، وإن استطاعت تعطيلها، فعوامل صعود الصين واستمراريتها راسخة وقوية، ويبقى أن يحدث ذلك سلمياً وبأقل قدر من الصراعات، وألا يكون صعود الصين ورفاهيتها خصماً من مصالح دول وشعوب أخرى.

* كاتب ومحلل سياسي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات