الابتكار طريق الانتصار

شهد العالم في السنوات الأخيرة تقدماً تكنولوجياً وعلمياً هائلاً، تغيّرت بسببه المفاهيم العامة التي اعتادت عليها البشرية في جميع مجالات الحياة، وبرزت مع هذا التقدّم مشكلات لم تكن موجودة من قبل، تستدعي حلولاً غير اعتيادية وغير تقليدية، لا سيّما أن سقف التحديات بات عالياً بعد أن تطوّرت مختلف القطاعات لتواكب ثورة المعلومات والمعارف الحديثة.

وهنا تبرز الحاجة إلى حلول مبتكرة للمشكلات التي تواجه المؤسسات في القطاعين الحكومي والخاص، بما يحقق التفوق على المنافسين ويضمن حلولاً جذرية للمعضلات التي تعترض طريق النجاح.

فقد بات التفكير خارج الصندوق سمة المبدعين الباحثين عن التميز، والأمم الحريصة على حجز مكان لها تحت الشمس وعلى مواجهة التحديات بقوة الأفكار المبتكرة، وأصبح الابتكار منهاج عمل في الحكومات التي تنشد التميز والتفوّق.

ولأنّ دولة الإمارات العربية المتحدة سبّاقة في السعي إلى التميّز؛ فقد تبنّت ثقافة الابتكار واعتمدتها في جميع مفاصل الحياة، الأمر الذي عبّر عنه سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي «رعاه الله»، حين قال: «الإمارات اعتمدت الابتكار نهجاً مؤسسياً وثقافة مجتمعية».. وهذا ما نلمسه بشكل يومي عبر المبادرات والأنشطة المتنوعة والمؤسسات والمراكز المتخصصة بالابتكار التي ظهرت إلى حيز الوجود في السنوات الأخيرة.

ولأنّ الابتكار هو ديدن العمل في دولتنا الحبيبة، باتت التحدّيات التي تواجهنا مجرّد بنود في قائمة المبتكرين الذين يقدّمون حلولاً إبداعية ومبتكرة لهذه التحديات، معتمدين على دعم قيادتنا الرشيدة وحكومتنا التي تسبق الزمن، ومستفيدين من تجارب الدول المتقدّمة في ابتكار حلول خلّاقة غير اعتيادية.

فالتجارب والإبداعات العالمية لتقديم حلول للمشكلات الكبرى التي واجهت العالم؛ باتت نماذج تستحق الدراسة والاطلاع، لكي تكون قدوة ومثالاً يُحتذى، وهو ما يسمى في علم الإدارة التعلم من أفضل الممارسات والاستفادة منها والإضافة إليها.

وهنا يمكن أن نتوقف عند التجربة البرازيلية في تحويل كارثةٍ بيئيةٍ إلى ثروةٍ وطنية، حيث تمّ تحويل جبل من أطنان النفايات في (مكبّ غراماتشو) بارتفاع 63 متراً؛ إلى أكبر مخزون للغاز البيولوجي في العالم، وذلك عبر حلّ مبتكر جعل مشكلة النفايات المتفاقمة مصدراً لتوليد غاز الميثان الذي يتمّ تحويله إلى طاقة تستفيد منها آلاف المنازل.

وبعيداً عن كوكبنا الجميل الذي تتفاقم مشكلاته البيئية بانتظار حلول وأفكار مبتكرة، انتقلت بعض مشكلاتنا البسيطة إلى الفضاء، ففي بداية عصر غزو الفضاء واجه رواد الفضاء مشكلة في الكتابة بأقلام الحبر بسبب انعدام الجاذبية، فحاولوا استبدالها بأقلام الرصاص.

لكن هذا الخيار لم يكن نافعاً تماماً، الأمر الذي دفع المخترع الأميركي بول فيشر إلى استثمار مليون دولار لصنع ما يعرف الآن باسم «قلم الفضاء» وهو قلم يمكن أن يكتب رأساً على عقب وفي ظروف شديدة البرودة أو الحرارة وتحت الماء أيضاً، وقدّم فيشر نموذج قلم الفضاء (AG-7) «مضاد الجاذبية» إلى وكالة ناسا في العام 1965 لكي تكون مهام رواد الفضاء أكثر سهولة، حتّى إنّهم استخدموا هذا القلم في رحلة (أبولو 11) لإصلاح أحد المفاتيح المعطلة، وهو الأمر الذي ساهم بعودتهم إلى الأرض سالمين.

وسواء أكانت الفكرةُ المبتكرةُ مكلفةً كقلم فيشر، أو مجانيةً ودون تكلفة تذكر، فإنّها تبقى نتاج التفكير البشري الخارج عن نطاق المألوف، والذي يبحث عن الحلّ بطريقة غير تقليدية.

قد يسأل أحدهم: هل يوجد فكرة مبتكرة أو إبداعية غير مكلفة؟! بالتأكيد، وهنا في الواقع يكمن الابتكار، فنحن لا نحتاج إلى رأسمال ضخم لكي نجد حلاً ناجعاً وذكياً لمشكلتنا، وإنّما نحتاج إلى رأسمال بشري مبدع ومتجدد بأفكاره لكي يجد لنا الحلّ الأمثل لمشكلتنا.

هذا ما حدث في مصنع صابون ياباني عانى من مشكلة على خط التعبئة الآلي لصناديق الصابون، حيث كانت بعض تلك الصناديق - لسبب ما - تمرّ من دون أن تتمّ تعبئتها بالصابون، لذلك وبعد بذل كثير من الأموال والجهد وتكريس فريق من العلماء لحلّ هذه المشكلة، وجدوا الحل أخيراً، حيث تمّ صنع جهاز يعمل بالأشعة السينية، يكون مسلطاً على خط سير الصناديق بعد التعبئة، بينما يقف عدد من العمال بجانب الجهاز، وكلّما مرّ صندوق فارغ يصدر الجهاز صوتاً فيقوم العمال باستبعاد ذلك الصندوق.

في مصنع آخر أصغر من المصنع الأول واجه العمال المشكلة نفسها، فكان الحلّ ببساطة أنّهم وضعوا مروحة هواء بجانب خط سير الصناديق، فكان كل صندوق فارغ يسقط من خط الإنتاج بسهولة ودون أي تكلفة.

فالابتكار ليس حكراً على من يمتلك الإمكانيات المادية والمعدّات العلمية والكادر البشري الضخم، وإنّما هو مرهون بعقل متّقد يفكر خارج الصندوق؛ وينظر إلى حيث الحلّ الأبسط والأسرع والأقدر على تذليل العقبات والتحديات، وتحويل المشكلة إلى مصدر إلهام وفائدة تعمّ المجتمع وتسهم في تطوير العمل، وتنتقل بالوطن نحو عصر واعد جديد من الإبداع والتطور، عقل يبتكر ليحقق الانتصار في سباق التحديات.

 

 

 

تعليقات

تعليقات