منصة «مدرسة» مبادرة للتلاحم العربي

اهتمام صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، باستراتيجية التعليم في دولة الإمارات. ومتابعته شخصياً لتنفيذها بصورة سليمة، ودعوة سموه أفراد وشرائح المجتمع للاطلاع على مكونات هذه الاستراتيجية، وطرح الأفكار والآراء البناءة التي تفيد في تطويرها، بحيث تلبي تطلعات كل المواطنين، وتحقق الأهداف الوطنية المبتغاة، خاصة الطلبة بصفتهم المعنيين مباشرة بهذه الاستراتيجية. كل ذلك يؤكد مدى حرص سموه على تطوير التعليم وربطه بالمعرفة، لتخريج جيل متعلم ومؤهل، يلبي متطلبات مسيرة التقدم والنماء التي تشهدها دولتنا في مختلف المجالات.

وتتمثل أهم ملامح الاستراتيجية، التي تمتد بين عامي 2010 و2020، في إعداد الطالب وتأهيله، كي يتسلح بمعارف ومهارات متوازنة، ويصبح قادراً على فهم واستيعاب قيم سوق العمل المستقبلي.

لقد استطاعت دولة الإمارات أن تحقق المرتبة الأولى عربياً والـ 34 عالمياً في تقرير التنمية البشرية 2018 والصادر عن الأمم المتحدة، متقدمة بثمانية مراكز عن تصنيف العام الماضي.

وحققت الدولة هذا التقدم بعد تحسن في بيانات مؤشرات التعليم كما يرى المسؤولون في التنافسية، التي تم تحديثها وإتاحتها للمنظمة الأممية بالتعاون بين: «الهيئة الاتحادية للتنافسية والإحصاء-ووزارة التربية والتعليم-وبيانات القوى العاملة» التي تم تحديثها بفضل توحيد مسح القوى العاملة، وتضافر الجهود بين الهيئة الاتحادية للتنافسية والإحصاء ووزارة الموارد البشرية والتوطين وكافة مراكز الإحصاء المحلية في الدولة.

ومما لا شك فيه أن هذا الإنجاز التنموي المشرف لدولتنا الحبيبة يضعها في قائمة الدول الرائدة في مجال «التنمية البشرية»، وذلك بفضل السياسات الناجحة التي تنتهجها القيادة الرشيدة، حيث كانت ولا تزال قائمة على تنمية الثروة البشرية في الدولة وتحقيق أعلى معدلات التطور والنمو في مجالات التعليم والصحة وجودة الحياة، بما ينسجم ورؤيتها 2021 الرامية إلى تحقيق التنمية المستدامة في كافة المجالات.

دولة الإمارات كان لها السبق في استشراف المستقبل لتطوير قطاع التعليم، فأطلقت مبادرة التعليم الذكي، انطلاقاً من رؤيتها وطموحها لمستقبل أفضل للإمارات بدايته كانت من مدارسها ومناهجها التعليمية.

من هنا تأتي أهمية بناء «مجتمع المعرفة» الذي يملك أفراده رؤية استراتيجية للمستقبل، في سياق التدفق لمجريات وقائع الحاضر، بتفاعله مع عطاء المعرفة المتجدد. مجتمع يتسابق أفراده لبلوغ الريادة والتميز. عبر الاجتهاد والتحصيل وبناء القدرات.

مجتمع يسترشد بالمعرفة، لا يرفعها شعاراً، بل يجعلها دليل عمل ومنهج حياة، والارتقاء بنظام التعليم بأكمله وفي مختلف مراحله لينسجم مع معطيات العصر، وتوسيع قنوات البحث العلمي النظري والتطبيقي ليخدم مجالات الحياة كافة، والسعي لصيانة نموذج وطن معرفي يستمد خصائصه من الواقع الحضاري والثقافي للمجتمع، وربط المعرفة بالموروث الحضاري والثقافي للإبقاء على هوية الإنسان وموروثه المجتمعي، والانفتاح والتفاعل الخلاق مع الثقافات الأخرى من أجل تبادل الخبرات والمعارف.

ويعد نقص المعرفة (الفقر المعرفي) أحد أهم معوقات التنمية البشرية في الدول النامية، وفي البلدان العربية على نحو خاص، إذ يتسبب الشح المعرفي في ضعف القدرة على الإنتاج والمنافسة، حيث أصبحت المعرفة إحدى وسائل قياس تقدم الدول، بل أصبحت المعرفة معياراً للرقي الإنساني، خصوصاً في هذه المرحلة المهمة من مراحل التطور المجتمعي.

وتأسيساً على ما تقدم، يمكن القول إن إقامة مجتمع المعرفة صار مطلباً ملحاً لبلوغ غايات التنمية البشرية المستدامة. وإذا اعتبرنا أن الثقافة الكلية تشمل «ثروة معرفية»، فإن الثروة المعرفية تتزايد بتراكم رأس المال المعرفي المسؤول عن إنتاج معارف جديدة، من خلال الاستفادة القصوى من «التعليم - التعلم» والبحث المتأني، للتشبع بالعطاء الفكري والأدبي والفني والجمالي.

إن الطفل في الدول الصناعية ينشأ في كنف أسرة خالية من الأمية وخدم المنازل، ويعيش منذ نعومة طفولته في وسط مشبع بالتقنية، فيتعاطى أبجديات المعرفة العلمية داخل نطاق الأسرة ويتعايش معها بسهولة ويسر، بدءاً من الروضة ثم المدرسة وبقية المراحل الدراسية الأخرى.

ولعل عدم وجود فجوة معرفية بين البيت والمدرسة، يجعل التعاطي مع التعليم الذكي أمراً سهلاً، ولهذا نجد أن الأوضاع في الدول النامية والناشئة تختلف كثيراً. ومما لا شك فيه أن دور منصة «مدرسة» للتعلم الإلكتروني التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، في سد الفجوة الرقمية في العالم العربي لم تأتِ من فراغ؛ وإنما أتت هذه المبادرة من: إدراك وحرص واهتمام وشعور سموه العروبي المهموم «دوماً» بواقع مجتمعاتنا العربية وما تمر به من أحداث ومنعطفات مؤثرة على حضارتها وكينونتها وهويتها الوطنية.

مبادرة «مدرسة» يراها الكثير من المهتمين والمتتبعين لها أنها ستكون سنداً قوياً للغة العربية التي لا تزال تعاني فجوة كبيرة في مجال الحوسبة والمحتوى المعرفي على الشبكة العنكبوتية. وبمثابة بداية لمرحلة جديدة في ترجمة الفيديوهات العلمية والتعليمية، كبداية النهضة العلمية عند العرب قديماً بترجمة الكتب من مصادر ولغات مختلفة.

وسيكون للمحتوى العلمي النوعي الذي تتضمنه المبادرة الأثر البالغ في تعزيز وتطوير المسيرة التعليمية لكل المهتمين بتطوير النظام التعليمي في وطننا العربي، باعتبارها منارة ومنصة علمية متألقة تتوفر للجميع «كباراً وصغاراً» في وطننا العربي باللغة العربية التي تعبر عن هويتنا العربية الأصيلة.

* كاتبة إماراتية

تعليقات

تعليقات