الشباب ومتغيرات سوق العمل

كل عام يتم تخريج المئات من الشباب الإماراتي في الجامعات المحلية والخارجية، ليتم التحاقهم بسوق العمل. وبين الفترة والأخرى تتم مراجعة خطط الجامعات والكليات العلمية في الدولة حتى يمكن التحقق من أن مخرجات تلك المؤسسات العلمية تتواءم مع يتطلبه سوق العمل من مهن متجددة، وحتى يتم تلافي أي عوائق تنجم عن المتغيرات الطارئة على سوق العمل.

كل ذلك حتى يتم تلافي العديد من العوائق التي تحول دون التحاق طالب العمل بوظيفة مناسبة، تتناسب مع مؤهلاته وطموح الدولة في اقتصاد مستدام قائم على أسس قوية. وعلى الرغم من المتابعة الحكومية النشطة لأداء المؤسسات التعليمية إلا أن المخرجات التعليمية ليست دوماً تتواءم مع سوق العمل خاصة في دولة الإمارات، الذي تتغير متطلباتها في كل يوم.

هذا يؤدي إلى ظهور مشاكل عديدة بعضها في صورة عطالة بين الشباب والبعض الآخر في صورة تضخم وتذبذب في الأسعار وتراجع في أداء بعض القطاعات وظهور أنشطة اقتصادية جديدة، تتطلب تقنيات جديدة وخبرات غير متوفرة.

انعكاسات هذا الوضع على الشباب كبير، فهم العماد الذي يقف عليه سوق العمل، وبالتالي فإن تأهيلهم وتدريبهم وهم على مقاعد الدراسة لتلافي تلك المتغيرات شيء مطلوب. تأهيل الشباب للتعامل مع أي متغير اقتصادي وتطويع مؤهلاته للتعامل مع تلك المتغيرات هو أيضاً شيء مطلوب.

وعلى الرغم من أن الكثير من الشباب لم يقف في طابور انتظار الوظيفة الحكومية بل نجده قد بدأ مشروعه الخاص والذي قد يختلف كلياً عما درسه في الجامعة، إلا أن البعض لا يزال ينظر إلى الوظيفة الحكومية باعتبارها ضمان أكيد للمستقبل.

اتجاه الشباب للمشاريع الصغيرة والمتوسطة يبدو شيئاً مشجعاً، فنجد مثلاً الكثير من الفتيات وقد بدأت مشروعها الخاص في الطبخ أو التصميم أو العمل الفني، والذي قد ينجح ويدر عليها ربحاً جيداً. ونجد الشاب وقد افتتح مشروعه الخاص في هندسة السيارات أو التصميم أو العمل التجاري الحر والذي أيضاً ينجح ويبرز اسم صاحبه.

وقد شجعت الحكومة أصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة بالقروض الميسرة والدعم التقني والفني، فالشباب محتاج للخبرة التي تتوفر لدى أصحاب المشاريع الكبيرة ويحتاج أيضاً في الفترة الأولى إلى الدعم القوي الذي يبقيه واقفاً على رجليه.

إن الجهات الرسمية تدرك أهمية تلك المشاريع في توفير الخبرة للشباب وبالتالي تبذل أقصى مساعيها لتسهيل الأمر على من يحاول الدخول إلى هذا القطاع رغم الزخم الشديد والتنافسية من قبل الآخرين والمتغيرات التي طالت سوق العمل وجعلته في بعض الأحيان صعب التطويع وليس كما كان قبل عقد من الزمان.

وعلى الرغم من المساعي الحكومية العديدة، إلا أن بعض الشباب لا يزال يتعثر حين الدخول في سوق العمل خاصة مع بدء مشروع جديد يلزمه الخبرة ورأس المال الكافي ودراسة الجدوى والصبر لحين جني الثمار.

وما يزيد الطين بلة هو أن بعض الشباب يتجه نحو العمل الخاص ويستثمر في مشروعه الجديد الكثير من المال المقترض من البنوك من دون أن تكون لديه الخبرة أو الدراية الكافية. وهنا تكمن الكارثة، فلا غرو أن نجد بعض الشباب وقد غرق في بحر من الديون لأنه استعجل جني الثمار. كما أن فشل المشروع يؤدي إلى إحباط ذلك الشاب ويثنيه عن المحاولة مجدداً، الأمر الذي يؤدي إلى تفشي أمراض اجتماعية أخرى.

لقد طالت سوق العمل خاصة في الآونة الأخيرة الكثير من المتغيرات، التي يجب أخذها في الحسبان عند تحليل الأوضاع الراهنة، فلا يجب النظر إلى المتغيرات الاقتصادية بمعزل عن المتغيرات الحضارية التي لحقت بمجتمعاتنا وبذهنية شبابنا، من حيث النظر إلى الوظيفة الحرة أو الحكومية على أنها مجرد مصدر للمال فقط، فبعض الشباب اليوم ينظر إلى سوق العمل كونه منجم ذهب يدر عليه ذهباً بمجرد الحفر فيه، بينما يجب النظر إلى سوق العمل كونه استثماراً طويل الأجل نزرع فيه البذور وننظر إلى أن ينضج الثمر.

ولهذا نجد بعض الشباب الذي يستعجل طرح الثمر يبوء بالفشل الذريع أو يحصل على ثمر مر المذاق، وتتعثر خطواته وهو في بداية الطريق.

إن نظرة معمقة على المتغيرات التي طالت سوق العمل في الإمارات اليوم تظهر لنا أن مجتمعنا كمجتمعات العالم، يتأثر بالمتغيرات والأنساق العالمية في العرض والطلب والتنافسية والجاهزية وغيرها من متطلبات السوق العالمية، كما تؤكد لنا أن ما يحصل لنا هو جزء مما يحصل في العالم ككل، ولهذا لا يمكن النأي بأنفسنا بعيداً عن المجتمعات العالمية الأخرى.

 

 

تعليقات

تعليقات