إيطاليا وسياسة الهجرة

المواجهة التي حصلت بشأن حمولة سفينة من الرجال والنساء والأطفال، الذين تم إنقاذهم في عرض البحر المتوسط، تجسد مستنقع سياسة الهجرة الأوروبية بشكل دقيق، لدرجة أنها تكاد توصف بشكل مسهب بأنها صورة مجازية عنها.

وترك نحو 629 مهاجراً في المياه الدولية، في حين تنافست الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي في الإصرار على رفض استقبالهم في أحد الموانئ الآمنة لديها. وترك الأمر لإسبانيا للتدخل في حين بدأت الإمدادات تنفد على متن سفينة الإنقاذ «أكواريوس»، التي تعتبر واحدة من القوارب الخيرية القليلة، التي لا تزال تعمل رغم مضايقاتها الروتينية من قبل خفر السواحل الليبي المدعوم من الاتحاد الأوروبي.

وفي الوقت نفسه، تبادلت إيطاليا ومالطا الانتقادات على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تم وضع بعض الهاشتاغات على «تويتر» مثل «نحن نغلق موانئنا».

وكانت ألمانيا مشغولة للغاية عن التعليق على الحادث، فيما كان قادتها يصوتون على قوانين لجوء أكثر صرامة رداً على القتل المروع لفتاة ألمانية مراهقة على يد مهاجر مقيم هناك.

ومن خلال مراقبتها للحادث بصورة جانبية طالبت وكالة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة الساسة الأوروبيين بصورة خانعة أن يسمحوا بإنزال الأشخاص المحتاجين على متن السفينة «أكواريوس» أولاً قبل تصنيف خلافاتهم لاحقاً.

نقطة البداية في تفهم هذه الفوضى الحاصلة يجب أن تتمثل بالتساؤل عن السبب في اختيار وزير الداخلية الإيطالي الجديد، ماتيو سالفيني، افتعال شجار بشأن السفينة «أكواريوس» من خلال التعامل مع سياسة الهجرة كساحة من الأزمات، حيث يمكن تجاهل حقوق الإنسان والقانون الدولي في الاندفاع للاستجابة للخوف من اللاجئين ومشكلاتهم، كان مينيتي ومؤيدوه في بروكسل وبرلين بمثابة قابلات الإنقاذ.

وقد تركت لرؤساء البلديات في جنوب إيطاليا لتحدي حكومتهم وتقديم العون للاجئين وتوفير مرفأ آمن لهم على الدوام.

وفي كثير من الأحيان لا تأتي طعنة الظهر الأقوى للشعوبيين إلا من الأوروبيين في المناطق الأكثر تأثراً بالحركة الواقعية للناس.

سوف يتسبب ذلك بدفع مراقبي سياسة الهجرة للاعتقاد بأن هذه لعبة عامة، لتعزيز موقف إيطاليا قبل نهاية شهر يونيو الذي سيتم فيه إصلاح فقرات من نظام اللجوء المعقد الذي وضعه الاتحاد الأوروبي.

وفي هذا الشأن يسعى سالفيني لإجراء إصلاح شامل لما يسمى بلوائح دبلن لتخفيف العبء عن دول خط المواجهة مثل إيطاليا واليونان وإزالة الالتزام بالقادمين الجدد الذين يسعون لطلب اللجوء في البلد الذي يصلون إليه أولاً.

وهذا الموقف الإيطالي لا يتعلق بالتقدم التدريجي للمصالح الوطنية، ففيما كان المراقبون الأوروبيون يتوقعون أن تخوض إيطاليا صراعاً مع الاتحاد الأوروبي بشأن العملة الموحدة، يخوض وزير داخليتها في موضوع الهجرة مباشرة.

وكما يفعل فيكتور أوربان في المجر وسيباستيان كورتز في النمسا، يدرك سالفيني جيداً أن الاتحاد الأوروبي ليس لديه أي رد فعل تجاه موقف إيطاليا الجديد من اللاجئين، حيث تُركت وحدها للتعامل مع القادمين من البحر من شمال أفريقيا، ولن تغير المحادثات حول قوانين دبلن الجديدة هذا الأمر، ولا يوجد موقف أوروبي موحد بشأن سياسة اللجوء والهجرة.

لقد أغلق سالفيني المنافذ المائية في إيطاليا في وجه اللاجئين، لأنه يعتقد أن هذه هي الوسيلة التي يمكنه تحقيق الفوز من خلالها بغض النظر عن النتيجة. وبصفته زعيم رابطة الشمال اليمينية المتطرفة، قام بتنظيم حملة حول وعود بالترحيل الجماعي للمهاجرين الموجودين في إيطاليا.

وبرغم أن مقترحاته كانت غير قابلة للتطبيق وغير قانونية، إلا أن ذلك لم يمنع الرابطة من الحصول على 17% من الأصوات في الانتخابات الأخيرة. ومزاعم سالفيني بأن المهاجرين الأفارقة يحولون إيطاليا إلى مخيم عملاق للاجئين تتجاهل حقيقة أن القادمين من البحر قد انخفضت نسبتهم هذا العام إلى خُمس المستوى خلال الفترة نفسها من العام الماضي. وبغض النظر عن ذلك، فإن المعارك الخطابية بشأن الهجرة تتيح له الظهور كونه شريكاً كبيراً في الائتلاف الحكومي الإيطالي ومدافعاً عن مصالح بلاده.

قبل فرز الأصوات في إيطاليا كان لدى خطة وزير الداخلية السابق ماركو مينيتي العديد من المؤيدين في العواصم الأوروبية والمفوضية الأوروبية، وهي الهيئة التنفيذية للاتحاد الأوروبي. وبما أن مينيتي وحزبه خرجوا من السلطة، فقد أصبح واضحاً بشكل مؤلم أنه لا يوجد انقسام انتخابي في أوساط الوسطيين، الذين يؤيدون النزعة الشعبية المعادية للهجرة.

وخلال عطلة نهاية الأسبوع، صدم مينيتي وزملاؤه الحكوميون السابقون من رفض سالفيني توفير ميناء آمن للسفينة «أكوارياس» وتفاخروا بالتوازن الذي وضعوه بين «الأمن» و «استقبال اللاجئين»، وبعبارة أخرى بين ردع الهجرة والمعاملة الإنسانية للاجئين، ولا يزالون عاجزين عن استيعاب هذا الأمر.

 

كاتب في صحيفة الغارديان

تعليقات

تعليقات