دلالات النصر في الحديدة

إما الدولة وإما الفوضى، هذا الخيار إجباري ومصيري وحتمي، ولا يقبل الوقوف في المنتصف. معركة تحرير الحديدة على الساحل الغربي اليمني، نقطة فاصلة في إعادة ترتيب موازين القوى.

هذه المعركة تختلف كماً ونوعاً عن المعارك السابقة، وانتصار الحديدة بمثابة مفتاح رئيس لتحرير صنعاء وباقي المناطق اليمنية التي يسيطر عليها الحوثي. إذ فتحت آفاقاً جديدة للحراك السياسي، أثمر عما قاله المبعوث الأممي إلى اليمن، مارتن غريفيث، عن وجود رغبة لدى الأطراف اليمنية بالعودة إلى المفاوضات التي توقفت منذ عام 2016، وأنه يعمل على مسارين: الأول الحديدة، والثاني الحل السياسي الشامل للأزمة اليمنية، وبقدر ما يعتبر المبعوث الأممي أن الحديدة مسألة مهمة، لأنه يريد تجنيبها الخوض في القتال، فإنه يرى أن الحل السياسي الشامل، هو الأهم.

لكن علينا توخي الحذر، وعدم الانسياق وراء مقترحات من نوع إعادة إحياء مبادرة كيري، فالأفضل أنه لا يجب أن تكون هناك ترتيبات سياسية بدون تحقيق كامل للترتيبات الأمنية، وأنه لا يمكن القبول ببند واحد من المبادرة (مبادرة الحديدة)، فنحن نتحدث عن مبادرة كحزمة واحدة، تنطلق في الأساس من خروج الحوثي من الحديدة ميناءً ومدينةً، وهذا هو الحد الأدنى، والمبدأ الذي يقوم عليه قرار مجلس الأمن 2216، الذي يشترط الانسحاب وتسليم الأسلحة، كمدخل للسلام المستدام في اليمن.

كل المؤشرات تقودنا إلى انتصار كامل لقوى التحالف العربي، فهذا التقدم الهائل الذي نلمسه على الأرض، يعكس الجهود الكبيرة التي تبذلها قوات المقاومة بمختلف فصائلها، وبإسناد نوعي من القوات الإماراتية العاملة ضمن التحالف العربي، بقيادة المملكة العربية السعودية.

تحرير الحديدة ذات الموقع الاستراتيجي على البحر الأحمر، والتي مثّلت على مدار سنوات الحرب في اليمن، شريان إمداد للحوثيين بالسلاح المهرّب من إيران، وأيضاً مصدراً لتمويل جهدهم الحربي عن طريق الموارد المالية لمينائها، تحمل دلالات خطيرة ومهمة، وتؤكد العديد من الرسائل، في مقدمها تحقيق هزيمة استراتيجية للحوثيين من النواحي السياسية والعسكرية والاقتصادية والأيديولوجية والنفسية الشعبية، وتضييق الخناق على ميليشيا الحوثي من الجنوب، وجزء من الشرق والغرب.

أيضاً تسهم في توفير جسر جوي إغاثي، لتأمين المساعدات الإنسانية لأهالي الحديدة بشكل أكبر وأسرع، ضمن أهداف العملية الإنسانية للتحالف، التي تم إعلانها بالتزامن مع بدء العملية العسكرية لتحرير مدينة وميناء الحديدة، كما أنه من بين الرسائل المهمة التي يحملها تحرير ميناء الحديدة، هي تأكيد فكرة طرد الحوثيين، وتوجيه ضربة قاصمة لهم، وهذه النتيجة، سوف تجبر الحوثيين على خيارين، إما العودة إلى طاولة التفاوض، استناداً للمرجعيات الثلاث (المبادرة الخليجية ومخرجات الحوار الوطني والقرار 2216)، أو الاستمرار والمكابرة، وهو الأمر الذي سيدفع القوات المشتركة للحسم بكل قوة.

انتصار الحديدة يؤكد أيضاً، أن إيران ومن يقف معها تخسر كثيراً على المستوى الإقليمي، لا سيما أنها خسرت طريق الإمداد الرئيس إلى اليمن، وبالتالي، لن تنجح في استكمال مخططاتها، بل وصارت هي ووكلاؤها من حزب الله في اليمن، يعيشون مأزقاً كبيراً، بعد أن تلاشت أحلامهم التوسعية في اليمن سريعاً، هذا فضلاً عن انهيار مخطط تأسيس حزب الله يمني على حدود المملكة العربية السعودية وفي شبه الجزيرة العربية، وهو السيناريو الذي خطط له كثيراً نظام الملالي في طهران، وكان يريد تحقيقه بتوقيع الحوثي.

أما الشيء الأخطر في نتائج الانتصار، هو تعميق رسوخ الأمن القومي العربي. إذ وفقاً لهذه المشاهد، فإننا أمام شروق يمني جديد، وغروب ملالي حوثي.

رئيس تحرير مجلة الأهرام العربي

تعليقات

تعليقات