التعليم في الإمارات ماله وما عليه

لا شك بأن دولة الإمارات تهتم بالتعليم اهتماماً كبيراً تعكسه تلك الميزانية الهائلة التي خصصتها الحكومة الاتحادية للتعليم ومخرجاته، ويعكسه أيضاً ذلك الاهتمام الذي تبديه القيادة السياسية للعملية التعليمية برمتها بحكم أن التعليم محور مهم من محاور عملية التنمية المستدامة. ولا شك بأن إعداد الطالب وتأهيله التأهيل العلمي المناسب هو في مصلحة الفرد والمجتمع معاً.

مرت العملية التعليمية في دولة الإمارات بمراحل عدة من التطوير والتقويم حتى وصلت إلى ما هي عليه اليوم. والهدف من التطوير ليس فقط مواكبة تطورات العصر ولكن حتى تواكب المخرجات التعليمية تلك التطورات التي طرأت على الدولة وعلى سوق العمل فيها من متغيرات مهنية.

فأسواق العمل سواء في الإمارات أو في العالم قد تغيرت في العقدين الأخيرين تغيراً كبيراً. فقد حلت التقانة محل الفرد لدرجة أصبح الكثير من خريجي الجامعات والمعاهد العلمية، بما فيها المعاهد التقنية، إن لم يكونوا مؤهلين التأهيل المناسب والعصري، فإنهم يواجهون صعوبة في إيجاد الوظيفة المناسبة. هذا الأمر يجعل من مراجعة المخرجات التعليمية بين الفينة والأخرى ضرورة قصوى حتى لا يواجه الخريج صعوبة في إيجاد وظيفة تناسب تخصصه.

ولكن القضية الملاحظة في هذه الأيام ليس فقط في الدور الذي تلعبه المؤسسة التعليمية في تأهيل الدارس ولكن في نوعية الدرس الذي يأتي إلى المؤسسات التعليمية العليا كالجامعات والمعاهد من حيث جودة ونوعية التعليم الذي حصل عليه في المراحل الدنيا، فالملاحظ ليس فقط في الإمارات ولكن في الكثير من بلدان العالم الثالث بأن المدارس وخاصة الأهلية أو الخاصة، تحرص على أن ينجح كل منتسبيها من الطلاب الذين يدفعون رسوماً في الكثير من الأحيان باهظة، وبالتالي تعد مسؤولة عن تلك النوعية المتردية من الخريجين الذين يلتحقون بالجامعات.

وبما أن الكثير من أولياء الأمور يحرصون على الحاق أبنائهم بالمدارس الخاصة، ليس فقط لاعتقادهم بأنها تقدم نوعية جيدة من التعليم بل لتفضيلهم تلك المدارس على سواها لاعتقادهم بأن تلك المدارس تعد أبناءهم للحياة وتمدهم بالمهارات الحياتية أفضل من التعليم الحكومي، وهنا تكمن الطامة الكبرى. فعلى الرغم من الاعتقاد بتفوق التعليم الخاص على الحكومي والحاجة إلى براهين قوية للتدليل على صحته، إلا أن أولياء الأمور في الكثير من الأحيان لا يحتاجون إلى براهين وأدلة قوية لأن الكثير منهم قد ترك مسؤولية التربية للمدرسة في ظل انشغالهم في توفير كل سبل الرفاهية لأبنائهم.

وعلى الرغم مما تمثله هذه القضية من هواجس حقيقية للقائمين على العملية التعليمية من تربويين وأكاديميين، لكون العملية التعليمية والتربوية تحتاج إلى تكامل الأدوار، أي دور الأسرة ودور المدرسة، إلا أن تلك القضية ظلت تراوح في مكانها دون حل على الرغم من طرحها على بساط البحث لأكثر من عقدين أو اكثر حينما دق البعض ناقوس الخطر في أن التعليم يعاني من خلل ويجب الالتفات إليه.

والنتيجة أصبحت واضحة اليوم في تردي نوعية الكثير من خريجي التعليم المدرسي والتي تلتحق بالجامعات سواء الحكومية أو الخاصة. فالملاحظ على الطلاب في هذه الأيام ليس فقط تردي في المهارات الحياتية التي يمتلكونها ولكن أيضاً تراجع في المهارات التعليمية والمعرفية عن الأجيال التي سبقتها مثلاً.

كما يواجه التربويون صعوبات كثيرة في سبيل تهيئة الدارسين منها على سبيل المثال اعتماد الجيل الجديد اعتماداً كبيراً على التقانة والتي هي سلاح ذو حدين فهي توفر المعلومة بسهولة ولكنها تعود الدارس على الكسل والاعتماد عليها دون سواها من مصادر التعلم والمعرفة. كما ينقصهم في بعض الأحيان مهارة التواصل الاجتماعي الحقيقي مع المحيطين بهم.

السؤال الذي تم توجيهه من قبل أعضاء المجلس الوطني لوزيرة الدولة لشؤون التعليم العام عن تدني مستوى الطلبة لا يعكس فقط الهواجس التي تدور في أذهان صناع القرار بل أيضا التربويين والقائمين على العملية التعليمية كما يعكس هواجس مخططي المستقبل.

فالعاملون في الحقل التربوي يلاحظون ذلك التدني في المهارات المعرفية والتعليمية التي يعاني منها الطلاب ما عدا تلك المتعلقة باستخدام التكنولوجيا. كما يلاحظ أيضا القائمين على توظيف أولئك الخريجين فقدانهم في بعض الأحيان لأبسط المهارات الحياتية والمعرفية والمعلومات العامة. هذه الحقيقة يجب أن تكون موضع نقاش عام حتى نضع اليد على مواضع الخلل ونقي أبناءنا من الخطر الذي ينتظرهم.

المبادرات الرسمية في الإمارات كثيرة منها مبادرة القراءة والمبادرات العلمية الأخرى جميعها تصب في صالح الأجيال الجديدة حيث تحاول هذه المبادرات تأهيلهم بالمهارات الحياتية التي يحتاجونها ليس فقط في سوق العمل ولكن في الحياة ككل.

* جامعة الإمارات

تعليقات

تعليقات