عجائب السياسة السبع

كلما تجولنا وتتبعنا أخبار هذا العالم الذين نعيش فيه، وجدنا قصصاً أغرب من الخيال، ومن بين أغرب القصص قصة الحاكم الأفريقي «سيفاس بنساه» الذي يعمل ميكانيكي سيارات وآلات زراعية في ألمانيا، ويحكم قبائل «هو هو» في غانا عبر تطبيقات وسائل الاتصال الحديثة كسكايب، فبعد أن ذهب إلى ألمانيا للدراسة قرر الاستقرار هناك إلى أن شاء القدر أن يصبح ملكاً على قبيلته ويحكم أكثر من 300 ألف نسمة لكونه الوريث الشرعي للحكم بعد وفاة جده.

الغريب ليس في أنه يحكم شعبه ويتواصل مع وزرائه وحاشيته عبر سكايب بقدر ما هو أغرب أن شعبه تقبل هذا الأمر بصدر رحب مما يدل أن لديهم عقلية مخالفة لما هو سائد بين شعوب العالم، التي من الصعب عليها تقبل مثل هذه الأمور في أوطانهم، ومقارنة بدول كثيرة حول العالم يعد هذا الأمر نادر الحدوث بكافة جوانبه، ففي حين تتصارع النخب والأحزاب السياسية للوصول إلى كرسي الرئاسة والانخراط بالعمل السياسي انخراطاً كاملاً متكاملاً يختار «سيفاس» أن يكون بعيداً على بلده وكرسي الحكم الذي يشغله ليعمل ميكانيكياً في ألمانيا.

للسياسة عجائب تفوق السبع بكثير؛ هناك في أرقى مجتمعات العالم يحتدم الصراع على قصر الرئاسة، وفي أقل المجتمعات من حيث التعليم تقبل قبائل تكاد تكون بدائية أن تُحكم عن بعد، فقد سمعنا عن أمور كثيرة أصبحت تدار عن بعد بفضل التكنولوجيا ووسائل الاتصال الحديثة لكن مازال من الغريب جداً أن يتولى شخص قيادة دولة بكافة أركانها ووزاراتها وشعبها عبر هذه التطبيقات المستحدثة، وهذا وإن دل فيدل على أن هناك في هذا العالم من لديه ثقافة التصالح حتى مع من يرأسه ويحكمه، ومن يحكمهم لديه أيضاً ثقافة التصالح مع ذاته ومع شعبه فاختار أن يكون بعيداً يرعى مصالحهم ويعمل وسيطاً ليجلب لهم مقومات حياة أفضل مما لديهم، وهذه أبهى صور الديمقراطية والتطور واستشراف المستقبل إن أردنا أن ننظر إليها من زوايا إيجابية كثيرة.

نشهد اليوم في هذا العالم كماً كبيراً من التدخلات الخارجية للدول، فدولة تُجند أبواقها لتعبث بمقدرات الشعوب وتقوض أمنهم، وأخرى ترى بأن لها الحق في الاستيطان والتعدي على مقدرات بلاد غيرها، وأخريات كثر تمرر أجنداتها على حساب الأرواح البريئة، في هذا العالم كراسي تعلو على جثث الأبرياء من تحتها، وتروي عروشها من بحور الدماء التي استباحتها لتبقى على رأس الهرم، في هذا العالم من يُسيس أطهر رسالات السماء ليحولها لعقيدة قتل ودمار، وثقافة اختلاف مع الجميع من حوله، ويُحرف تفاسير كلام الله عز وجل ويسيسها من أجل دعم آرائه وتوجهاته العدائية.

في هذا العالم دول ترعى وتموّل الإرهاب وتغدر بالجار ووصل فيها الفساد إلى عقر الدار، وكل هذا من أجل كرسي الحكم وحلم يلوح بالأفق نحو استيطان أكبر قدر مستطاع من الأراضي والخيرات، وفي النهاية يبدد هذا كله في دعم منظمات وأحزاب كل همها أن تعيث بالأرض فساداً، في هذا العالم هناك من يقتل شعبه ويهجرهم خارج أراضيهم ويمارس في حقهم أشد أنواع الإرهاب والترهيب ليبقى على كرسيه، وهذه ليست عجائب بقدر ما هي مصائب السياسة المليون، والتي وإن حاولنا تسليط الضوء عليها لاحتجنا لمجلدات وأطنان من الحبر تروي لنا فظاعة المشهد السياسي من شرقه إلى غربه.

لنا في حكاية «سيفاس» والتي أعطيت الحق لنفسي بأن أعتبرها واحدة من عجائب السياسة السبعين، والسبعين لا تعني هنا تحديداً للرقم بذاته وإنما ترميزاً للكثرة، فرغم أن الحكاية بسيطة؛ إلا أن لبساطتها مدلولات كثيرة خصوصاً عندما نقارنها بنماذج نرى بأنها أصل وأهل الديمقراطية العالمية، أو ببلدان نرى بأن شعوبها أرقى وأكثر شعوب العالم تحضراً وانفتاحاً، ولكن قبائل الـ«هو هو» أثبتت أنها من أكثر شعوب العالم ديمقراطية ولديهم من الثقافة السياسية ما يحتاجه ثلاثة أرباع سكان العالم أجمع، فهؤلاء البسطاء لا يريدون من حاكمهم إلا أن يرعى شؤونهم ومصالحهم، ويوفر لهم الحياة الكريمة، ويتركهم وشأنهم في حرياتهم التي منحهم الله إياها، بل أكثر من ذلك فهم ملتزمون ببنود دستورهم وقوانينهم والتي تنص على عدم جواز تولي الحكم لمن يكتب بيده اليسرى، فتقبل والد سيفاس هذا الأمر وشقيقه الأكبر وتركز الحكم لسيفاس ولم يغيرا نص الدستور ليوافق أهواءهما.

في هذا العالم الأحادي وأقصد أحادية الرأي والمنهج، علينا إعادة النظر بمفاهيم كثيرة قد نرى أن أساسها ووجهتها أرقى المنظمات والمنظومات العالمية، ولكن في الحقيقة أن أبسط بقاع الأرض نجد فيها أبهى الصور وأرقاها، وكلما تجولنا أكثر كلما استفدنا أكثر، وكلما حللنا القصص واستنتجنا منها ما يلزمنا كلما وفرنا مسافة الوصول إلى الخبرات المطلوبة، وهذا على المستوى الشخصي أو السياسي، وكما قيل (يضع سره في أضعف خلقه)، ولنا في هذه القبائل البسيطة أسرار كثيرة قد لا تنسجم مع حجم التطور العالمي إلا أن التطور يكمن في عقولها البسيطة التي تتقبل العيش بمن يحكمها عن بعد، ويرعى شؤونها عبر الفضاء بصدر رحب.

تعليقات

تعليقات