00
إكسبو 2020 دبي اليوم

أنين الشعراء في اليمن

حين تقول العرب (وللحديث شجون) فإنها تقصد أنه متشعب، متفرع، يستدعي بعضه بعضاً، وحديثي اليوم له شجون أبدأه بحكاية كان طرفاها سيد الخلق النبي محمد صلى الله عليه وسلم وشاعرٍ له القدح المعلى في الشعر، تقول الحكاية: إن كفار قريش حاولوا إغراء الشاعر حسان بن ثابت بالمال كي يهجو النبي صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك قبل إسلامه وهو شاعر فحلٌ وذو مكانةٍ بين شعراء عصره، فوقف على ربوة ينتظر قدومه وينظر إلى صفةٍ من صفاته ليهجوه بها، ومر الحبيب المصطفى، مرّ جميل الشيم، مرّ كمصباح الظلم، فلما رآه حسان رجع إلى قريش فردَّ لهم المال، وقال: «هذا مالكم ليس لي فيه حاجة، وأما هذا الذي أردتم أن أهجوه، اللهم إني أشهدك أني أشهد أنه رسول الله»، فقالوا: ما دهاك؟، ما لهذا أرسلناك، فأجابهم بقوله:

لما رأيت أنواره سطعت

وضعت من خيفتي كفي على بصري

خوفاً على بصري من حسن صورته

فلست أنظرهُ إلا على قدري

روح من النور في جسم من القمر

كحليةٍ نسجت من الأنجم الزهر ِ

وقادتني هذه الحكاية إلى مكانة الشاعر في قومه، وإدراكهم لقيمة هذا الدور وأثره على الناس، فالشاعر يحمل رسالة وهو لسان حال قومه، ولا نعني بالطبع أي شاعر بل الشاعر المقتدر والمؤثر.

ولعل الشاعر أوسيب ماندلستام، وهو من كبار شعراء القرن العشرين توفي في أحد معتقلات ستالين عام 1939 م، قال شيئاً جميلاً: «الشاعر هو صديق كل حي ٍّ على الأرض، وأن الثقافة من ملحقات الروح، والشعر هو اليد الممدودة للآخرين...».

وما أحرانا اليوم أن نلتفت لدور الشاعر بيننا خاصةً ونحن أمة ُ الحضارة والقيم والقلم، قال الرسول محمد صلى الله عليه وسلم: "لن تترك أمتي الشعر حتى تترك الإبل ُالحنين)، فهل تركنا الشعر؟

لا لم نترك الشعر فهو جزء من حياتنا وطالما استشهدنا بما قاله الشعراء، ومكتباتنا خزائن لإبداعات الشعراء، وأغانينا مترعة بما كتبه الشعراء، وصحافتنا تزهو بقصائد الشعراء وعند كل مناسبة وطنية أو قومية لا نملك منصةً روحيةً لها أروع وأسمى من قصائد الشعراء، وحين تواجهنا التحديات أياً كانت، أول ما ينبري لها هم الشعراء، أفراحنا وأحزاننا العامة والخاصة لا نستغني فيها عن الشعر، وما يجود به الشعراء، ولكن... هل أخذ الشاعر العربي نصيبه من اهتمامنا؟ ربما في الصحافة والنشر، ربما في التمتع بما يكتب والإشادة...

ومن خلال اهتماماتي المجتمعية التي تنظر للإنسان ليس فقط لبعده المعرفي ومنجزه الإبداعي وعمله ولكن لبعده الإنساني والحياتي فأقول هل يكفي الشاعر الذي سخّر كل سنوات عمره وإبداعه ليتحفنا ويجود علينا بروائع شعره، هل يكفي ذلك؟ كلنا يعلم أن الشعر وظيفة لا يأخذ عليها الشاعر أجراً، لكن الشاعر إنسان، له شؤونه الحياتية واشتراطاتها المادية، وهي في عصرنا المادي الحالي ضاغطة وبشدة، والشاعر المبدع المتجرد من كل عروض الدنيا، الشغوف بشعره وتجربته يصبح ُغريباً في هذا العالم، وهو حييٌّ وذو نفس عالية وإباء لا يمد يده لأحد إلا إذا التفتنا له ولشؤونه الحياتية قبل أن نلتفت لشعره، فهل تحسسنا هذا الجانب في حياته؟.

ما دعاني لهذه الإشارة هو ما تعرض له الشعراء العرب في السنوات الأخيرة بسبب الحروب والأزمات السياسية، فمنهم من مات خارج وطنه بعد معاناة شديدة مع المرض، ومنهم من هاجر تاركاً وطنه وبيته وأهله ليبدأ من الصفر في بلد آخر، ومنهم من يعيش الآن في الغرب على المساعدات الإنسانية. ولم نلتفت إلا لشعرهم...

في الآونة الأخيرة بدأنا نسمع أنين الشعراء في اليمن، وهم يكابدون معاناة الحياة وصعوباتها الجمة بعد أن عبث الحوثيون المارقون بأمن البلاد واستقرارها.

اليمن أرض الخيرات والحضارات، احتضنت ثلاثة أديان وفي عمرانها أول وأقدم ناطحات للسحاب في العالم، وإذا ذُكرت اليمن ذُكرت الملكة بلقيس وذُكر الركن اليماني وأبو موسى الأشعري والمحدث الأمير الصنعاني والعلامة الشوكاني وغيرهم. اليمن بلد العقيق والبن والحناء ورحابة الأرض والسماء.

يعاني أدباؤها اليوم من شظف العيش والحرمان، دلتنا على ذلك أخبارهم وأنين شعرائهم، ونقول أما آن لنا أن نلتفت لهم أم أننا نسمع الأنين ولا يأخذنا الحنين؟

صحيح أن معاناتهم هي جزء من معاناة الشعب اليمني الأصيل العريق، لكن باعتقادي أن معاناة الأدباء أمر آخر لا يتسع المقال لذكره وهم نخب الفكر والثقافة التي تشكل ركناً مهماً من خزين الفكر والثقافة العربية.

طباعة Email