غياب الثقة مشكلة السياسة الأميركية

ضيّقة هي شريحة الشعب الأميركي المؤمنة بنزاهة قادتها السياسيين، وقد سجلت الثقة الجماهيرية بالسلطة أدنى مستوياتها على الإطلاق. وتقع الولايات المتحدة على طرف نقيض من الصين، حيث ثقة المواطنين بالحكومة تقود العالم، وفقاً لمؤشر إدلمان العالمي، إلى مستوى الثقة.

«لا أحد يثق بالآخر هنا. ومعظم الأميركيين لا يثقون بأي منا»، هذا ما يؤكده عضو مجلس الشيوخ الأميركي الجمهوري ليندسي غراهام. لكن هل يقع اللوم على الشعب؟ بجانب منه نعم.

فالحكومة الأميركية من الشعب وله، وانعدام الثقة كذلك منبثق من الشعب. ويعكس تداعي واشنطن تعمق الانقسامات في المجتمع، بين البيض والسود والملونين، الخريجين وغير الخريجين، أبناء المدينة والمناطق الداخلية، والشباب والمتقدمين في السن. لقد تحولت السياسة الأميركية إلى اللعبة الرابح فيها يفوز بكل شيء. غير أن الدستور قد وضع لينفذ فقط في حالات التسويات.

قد يكون الرئيس الأميركي دونالد ترامب ذهب إلى دافوس، أخيراً، فقط لأن تشاك شومر القائد الديمقراطي في مجلس الشيوخ، قد وافق على إعادة فتح جلسات الحكومة، التي قد يقرر إغلاقها مجدداً حين ينفذ التمويل في أقل من ثلاثة أسابيع.

لا تبلغ احتمالات التوصل إلى صفقة اليوم معدلاً أعلى مما كانت عليه من قبل. ويعتقد ثمانية من أصل عشرة أميركيين أن نسب الهجرة مرتفعة جداً، مقابل ثلاثة من أصل 10 ديمقراطيين فقط يشاطرونهم الرأي. ويطغى البيض على أحد الحزبين فيما تسود غالبية من غير البيض على الآخر.

ويعمل انعدام الثقة على تقويض عالم السياسة في الغرب عموماً، لكن معدّله الأعلى يتركز في أميركا. ما من نظام ديمقراطي آخر يتجه نحو مستقبل قائم على ثنائية الأقلية والأكثرية. والعالم على موعد سيشهد فيه على ما يحصل لمجتمع لا تتآزر فيه الأغلبية. لم تشهد أي دولة في العالم مثل هذا التراجع في دعم الخدمات العامة.

لا يوجد نظام ديمقراطي جدي آخر في العالم يتهم فيه رئيس الحكومة هيئات تطبيق القانون الأساسية في البلاد، والهيئات القضائية والاستخباراتية بالانحياز. وبات من المفترض بالمعينين الحياديين المزعومين أن يقدموا فروض الولاء الشخصي للرئيس.

وحده الجيش الأميركي ربما بقي خارج دائرة الانتقادات، وتلك ليست بصدفة. وتتمتع المؤسسة العسكرية، دون سواها من المؤسسات الأميركية بثقة شعبية عالية. إذ يبدي ثلاثة أرباع الأميركيين ثقتهم الكبيرة بالجيش وفقاً لمؤسسة «غالوب».

ولا تحظى أي من المؤسسات الأخرى بثقة نصف الشعب الأميركي، لا سيما الكونغرس. ولم يكن حرياً بشومر إعلان إغلاق الحكومة الأميركية قبل أن يكون مستعداً لذلك، علماً أنه بدّل رأيه في غضون 72 ساعة.

وقد أطلق ترامب، في هذه الأثناء تغريدةً قال فيها إن «الديمقراطيين يأخذون الجيش رهينةً بدافع الرغبة فقط بالإبقاء على حال الهجرة غير الشرعية بلا ضوابط؟»، وكالعادة يعرف ترامب كيف يضرب على الوتر الحساس، فأي أميركي سيفضل الغريب غير الشرعي على مواطنه الجندي؟

إلا أن المسار المتبع خطر. ففي دولة تكثر فيها القبائل، وحدهم المحاربون يفرضون الاحترام. فماذا يحصل لو فقدوه؟ قبل بضعة أشهر، كنت في رحلة بالطائرة تجلس بجانبي شابة من ذوي البشرة السوداء بالزي العسكري.

وبعد فترة تقدم إليها رجل أبيض في متوسط العمر من فئة رجال الأعمال وعرض عليها مقعده، لكنها رفضته باحترام، فما كان منه إلا أن قال لها: «شكراً لخدمتك البلاد»، لكن لو كانت تلك الشابة معلمة، مشرعة قوانين، ممرضة أو حاكمة المصرف المركزي، لما كان أحد تقدم لشكرها، أو منحها مقعده على الطائرة.

يتعين على المؤسسات العامة الأخرى أن تتعلم كيف تحول البنتاغون من مؤسسة مكروهة بسبب حرب فيتنام إلى بطل، لكن المثال يطبق في اتجاهين. فلو انقلب ترامب على المؤسسة العسكرية، لن يكون بمأمن.

وإذا خسر الجيش ثقته بالسياسيين المنتخبين، ستقع الجمهورية في ورطة. وإننا أقرب إلى ذلك الوضع مما يتخيل كثيرون. وإن الحصن الأقوى الذي يقف بين الجمهورية الأميركية والسقوط في براثن القبلية هم رجال ونساء ارتدوا البذلة العسكرية. لا بد من التفكير ملياً بمضاعفات ذلك، التي لا تبعث على الاطمئنان.

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon