استراتيجية شاملة للأمن القومي العربي!

لا أظن أن أياً من القمم العربية السابقة، جعلت من الأمن القومي العربي هاجسها الأول والأخير، قبل قمة الظهران، ولا أظن أن قضية الأمن القومي العربي، كانت موضع إجماع العرب، كما هي الآن، الجميع متوافقون على أن غياب التوافق على مفهوم واحد للأمن القومي، يُشكل أحد الأسباب الخطيرة لتآكل حضورنا العربي الجماعي، بما يغرى الآخرين على التدخل في شؤوننا الداخلية، والجميع متوافقون على أن الأمن القومي العربي، يواجه تحديات غير مسبوقة، تُشكل تهديداً وجودياً حقيقياً، والجميع يشعرون أن العرب يواجهون أخطر أزمة منذ استقلالهم، وأننا بحاجة إلى استراتيجية شاملة للأمن القومي العربي.

الجيش التركي موجود على أرض دولتين عربيتين، في حالة احتلال صريح، والاجتراء الإيراني، يستثمر هشاشة الوضع اليمنى، ويستعمل أدواته في التخريب، ومخططات تصفية القضية الفلسطينية، لا تجد أي رادع، في ظل الانقسام بين فتح وحماس.

وإذا كنا نستشعر حاجتنا المُلحة إلى استراتيجية شاملة للأمن القومي العربي، تُمكننا من الوقوف بحزم أمام أشرس التحديات، فإننا نحتاج كذلك لإعادة تأسيس علاقاتنا مع دول الجوار الإقليمي، بما يمنع افتئاتها على حقوق العرب وأمنهم، ويكفل حسن الجوار، وعدم التدخل في الشأن الداخلي العربي، ولن يتحقق ذلك بغير رادع عربي قوي، يكيل الصاع صاعين، لأنه من غير المقبول ومن غير المعقول، أن تهدر هذه القوى الإقليمية، حق الجوار.

وتعمل بدأب شديد لإنشاء مناطق نفوذ داخل الدول العربية، على حساب مؤسسات الدولة الوطنية، ومع الأسف، هناك من العرب، مثل قطر، من تورطوا في التآمر على الأمن القومي العربي، وأعطوا لجماعات الإرهاب، الملاذات الآمنة، وأمدوها بكل وسائل العون المادي والمعنوي، التي مكنتها من السيطرة على 40 في المئة من مساحة العراق وسوريا.

وأياً كان هاجسنا وقلقنا على الأمن العربي، وضرورات إعادة النظر في كثير من قضاياه، فإن هذا القلق لا ينبغي أن يُشعرنا بالإحباط، أو يفقدنا القدرة على الثقة بأنفسنا، لأننا نجحنا بالفعل في هزيمة قرار الرئيس الأميركي ترامب، الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وحاصرناه في عُقر داره، وحشدنا ضده 128 دولة، أجمعوا على أنه قرار غير شرعي وغير قانوني، يخرق القانون الدولي، وأنه قرار منعدم الأثر.

وما من شك، أن قرارات قمة الظهران، التي تسمت باسم القدس، وأعادت تأكيد ثبات وصحة الموقف العربي، تمثل بالفعل رد اعتبار آخر للفلسطينيين والعرب والقانون الدولي ومعايير العدالة الدولية، خاصة مع تأكيد قمة الظهران، أنه لا سلام بدون دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية.

ولأن الأمن العربي كل واحد لا يتجزأ، يصبح من الضروري، تطبيق المعايير ذاتها على المشكلة السورية، باعتبارها مشكلة شعب عربي، دفع أكثر من نصف مليون شهيد، و11 مليون مواطن شردوا خارج دورهم، بينهم ستة ملايين لا يزالون خارج سوريا، وأظن أنه آن الأوان لإنهاء عذابات الشعب السوري، لأن الدم المُراق في سوريا دم عربي، ولأن سوريا أرض عربية.

وإذا جاز لقمة الظهران أن تكون بداية صحوة عربية جديدة، تحيي آمال العرب في عودة التضامن العربي، والعمل العربي المشترك، ليس فقط على المستوى السياسي، ولكن على المستوى الاقتصادي، حيث يطمح العرب في استئناف مسيرة التنمية والتكامل والتنسيق المشترك، يصبح أمراً مهماً وقف الكارثة الإنسانية الضخمة التي تحيق بالشعب السوري.

وربما كانت الرسالة الأهم لقمة الظهران العربية، كما وضح في جدول أعمالها، رسالتها إلى العالم أجمع، بأن القمة العربية لا تزال على العهد، وأن القضية الفلسطينية سوف تبقى أبداً قضية العرب المركزية الأولى، وأن القدس الشرقية هي عاصمة الدولة الفلسطينية، التي تملك حق السيادة على كل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 67.

وقد يكون واحداً من أهم قرارات قمة القدس، إدراك العرب الشامل، لأهمية أن تحافظ القمة العربية على وحدة وسلامة وعروبة كل دولة عربية، وقطع الطريق على أي محاولة من التنظيمات الإرهابية ورعاتها الإقليميين والدوليين، لتمزيق أوصال الأوطان العربية.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات