سلوم

«عطني يغمه»

جملة من الجمل صنعتها الحياة الاجتماعية في الدولة في فترة ليست ببعيدة، وسبب اختيارنا لهذه الجملة التي لا يفهم معناها سوى من عاش طفولته المتقدمة في تلك الفترة، هو أن نثبت أن المجتمعات تبني ثقافتها استناداً لمعطيات الحياة اليومية لديها، لا يلزمها في ذلك القدم أو أية شروط أخرى، فالمعطيات المعيشية فقط هي التي تصنع ثقافة المجتمعات.

«عطني يغمه» جملة من كلمتين: «عطني»، أي أعطني. «يغمه»، أي رشفة. وقد وُلدت هذه الكلمة في مجتمعنا بعد منتصف القرن التاسع عشر، وذلك بعد أن انفتحت التجارة بين الدول، وبدأت المنتجات التي في أقصى الشرق والغرب بالوصول إلى الجزيرة العربية بعد الحرب العالمية الثانية، بشكل كبير. وإحدى تلك المنتجات المشروبات الغازية التي اقتصرت في نصف القرن التاسع عشر على المقاهي فقط، ومن ثم انتقلت إلى الأحياء بعد أن بدأت البقالات بالانتشار بين المناطق والأحياء السكنية في الدولة، وأصبحت المشروبات الغازية قريبة من البيوت، وفي متناول يد الجميع.

وبما أنه ليس في متناول يد الجميع أيضاً الإمكانية لإعطاء أطفالهم مبالغ مالية كمصروف يومي، أو بالأحرى لم يكن دارجاً موضوع المصروف اليومي أصلاً لدى المجتمع في تلك الفترة من الزمن، فقد كان القليل من الناس يقوم بإعطاء أبنائه مصروفاً كي يذهب إلى البقالة (الدكان)، فتجد 10 أطفال بينهم واحد قد اشترى قنينة مشروب غازي، فتبدأ جملتنا بالظهور «عطني يغمه»، أي أعطني رشفة واحدة فقط، وما أن تبدأ «اليغمه»، أي الرشفة، حتى تنتهي الزجاجة بينما البعض لم يحظ بشيء منها، فيما لم يتسن لصاحب القنينة أن يشرب غير «اليغمه الأولى»، أي الرشفة الأولى.

كل ذلك يثبت أن المجتمعات تشكّل موروثها الثقافي بنفسها، لا يحدّها فيه زمان أو مكان، وهو الذي لا يفهمه سوى أفرادها من خلال حياتهم اليومية والمؤثرات التي يعيشونها. ويثبت أيضاً بشكل قاطع أننا كنا نعيش في مستوى واحد، متقاربين، لم تفرقنا الأموال، ولم تكن هي قياس الطبقات الاجتماعية، نهائياً، في دولتنا الحبيبة حتى اليوم، ولم ولن تكون هناك طبقات اجتماعية بيننا كمجتمع، فما زلنا نسكن نفس الأماكن، ونتقاسم همومنا، ونتشارك أفراحنا، نقف صفاً بصف أمام كل تحديات الزمن.

فدام الرئيس وعاش الوطن..

هذا وللحديث صلة..

تعليقات

تعليقات