دواعش «الرايات البيضاء»

خلال الشهور الثلاثة تم تداول أخبار عن التنظيم الجديد والذي يسمي نفسه تنظيم «الرايات البيضاء» أو «الفدائيون»، والذي يتخذ من المناطق الشمالية في العراق، وخصوصاً في محافظة كركوك، مكاناً يصول ويجول فيه، ورغم شح المعلومات والتقارير حول التنظيم إلا أن بعضها أفاد بأن أعداد عناصر التنظيم قد وصلت لقرابة 800 شخص من مختلف الجنسيات والانتماءات من بينهم عناصر سابقة لداعش، ومجموعة من الميليشيات الكردية المسلحة المعارضة للسلطة، ومثل هذه الأمور تجعلنا نضع أحد أخطر السيناريوهات؛ عودة داعش أو فكر داعش بمسمى وشعارات مختلفة، خصوصاً أن بدايات هذا التنظيم شبيهة ببدايات داعش من خطف لشاحنات الغذاء والبترول وحرق المباني ومهاجمة رجال الشرطة!!.

استطاع تنظيم داعش خلال السنوات الماضية أن يُجند ما لا يقل عن 50 ألف مقاتل من أكثر من 145 دولة حول العالم، تنوعت جنسياتهم وأديانهم ولغاتهم وانتماءاتهم، ولكن وبعد أن أعلن حيدر العبادي رئيس الوزراء العراقي الانتصار على داعش في العراق، ومع وجود تقارير عسكرية تُفيد أن التنظيم قد خسر الكثير من معاقله في سوريا، وهو ما أعلنه الرئيس الروسي بوتين، قد نتساءل أين ذهب كل هؤلاء المقاتلين؟ هل قُتلوا جميعاً؟

ليس من المنطق أن يكون التنظيم قد خسر 50 ألف مقاتل في الاشتباكات التي قام بها سواءً مع القوات العراقية أو التنظيم الدولي لمكافحة داعش بقيادة الولايات المتحدة الأميركية أو مواجهاته مع نظام الأسد والقوات الروسية، إذن أين يتواجد هؤلاء الآن وما هي خططهم القادمة؟ وهل مازالوا يبايعون أميرهم المختفي؟ كل هذه الأسئلة تعمل من أجل حصر إجاباتهم أجهزة استخبارات عالمية لتفادي وقوع أي حالة أو عملية إرهابية.

مواجهة تنظيم داعش كتنظيم له معاقله ومساحة جغرافية محددة يتواجد عليها أسهل بكثير من انتشار أفراده حول العالم أو رجوعهم إلى دولهم أو انضمامهم لجماعات جديدة تحمل نفس الفكر والمنهج، وهذا ما تخشاه الدول الأوروبية وقد حذرت الشرطة الأوروبية «يوروبول» من احتمالية تنفيذ أعمال إرهابية تخريبية في أوروبا من قبل أفراد تنظيم داعش العائدين إلى أوطانهم، والمواجهة هنا تتطلب حرصاً شديداً وبحزم أشد، فتسلل أحد أفراد التنظيم إلى أي دولة وهو محمل بفكر تكفيري ومدرب تدريباً يمكنه من تنفيذ عمليات إرهابية سيؤدي لكوارث لا تحمد عقباها.

داعش يخطط لأن ينشئ تنظيماً عابراً للقارات، ويستغل الأفكار التكفيرية المتشددة التي ربى عليها أفراده والتدريبات العسكرية التي سلح بها مقاتليه ليزرعهم حول العالم كقنابل موقوتة لاستهداف مناطق ومبانٍ حساسة وتعم فوضى الإرهاب من جديد، وإن كان سؤالنا أين تبخر هذا التنظيم وأين اختفى الخمسون ألف مقاتل فلنبحث عن الأماكن التي بايعت تنظيم داعش وأعلنت ولاءها وبيعتها لأميرهم المجرم، وأيضاً مراقبة حركة الجماعات والتنظيمات الجديدة، والقضاء عليها منذ البداية قبل أن تتوسع وتنتشر.

التنظيمات والجماعات الإرهابية ليست بحاجة لمنطقة جغرافية تفرض سيطرتها عليها لتمكنها من تنفيذ مخططاتها الإجرامية، فالمجال الإلكتروني مفتوح للجميع، ويربط قارات العالم وكأنه بيت صغير وداعش أصبح خبيراً في هذا المجال ولديه جنود إلكترونيون يعملون من عدة دول، فلا يعني القضاء على تنظيم داعش على الأرض أننا بذلك ننهي تواجدهم إلى الأبد، فالفكر المغلوط والبيعة لأميرهم على السراء والضراء هو أساس ما يجب القضاء عليه للانتهاء من حقبة سوداوية دموية إرهابية.

الإرهاب فكر ينتقل كالسرطان يصعب إيقافه بالطرق التقليدية، لذا علينا مهاجمته من حيث لا يدري، وبذل كافة السبل لمنع انتشاره، وعلينا أن نتعلم من تجاربنا مع تنظيم الإخوان الإرهابي وكيف عمل على إيجاد ما يسمى «الخلايا النائمة» والتي تصبر طويلاً على أشد الظروف لتنفيذ مخططها المشين، وهذا ما فعله «الإخوان المسلمون» في فترة من الفترات بعد أن اعتقلت السلطات المصرية مرشدهم العام والقياديين في الجماعة.

هذه الجماعات متلونة كالحرباء تتأقلم مع جميع الظروف لتواصل مسيرتها المشينة، وسواء كانت من حملة الرايات السوداء أو البيضاء أو الخضراء، فجميعها هدفها ومخططها سوداوي يريد زعزعة الأمن والاستقرار ليجعل لنفسه مكاناً يفرض سيطرته ونفوذه عليها، ويمارس هوايته التخريبية.

لنتعلم من تجربتنا مع الإخوان المسلمين وما عملته هذه الجماعة من تجنيد خلاياها النائمة والتي استمرت على مبايعة المرشد العام حتى بعد أن تم حل الجماعة وتنفيذ إعدامات بحق أبرز وأهم عناصر التنظيم، وهذه التجربة المؤلمة والتي أثرت وعطلت مسيرة التنمية في الكثير من البلدان العربية يجب أن تكون درساً للتاريخ من أن هذه الجماعات يجب محاربتها حتى آخر رمق والقضاء على فكرها وما ترنو إليه من أفكار ضلالية ظلامية باستبدالها بفكر متسامح متعايش.

عودة تنظيم داعش يبقى هو السؤال الأهم في هذه الحلقة، فالجهود العالمية الجبارة التي استطاعت القضاء على هذا التنظيم ودك معاقله عليها أن تستمر، ونحن كمثقفين وأصحاب قلم علينا مواصلة وملاحقة هذه الجماعات لدحر فكرها عن مجتمعاتنا التي تنشد السلم والسلام.

تعليقات

تعليقات