مجلس «التعاون» وأهمية ديمومته

يعد شهر فبراير موعداً مهماً للعديد من المناسبات التاريخية المهمة في الخليج.

فهو الشهر الذي شهد اجتماعات السميح (عرقوب السديرة) التاريخية التي أدت إلى قيام اتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة، وهو أيضاً الشهر الذي بدأت فيه مفاوضات إنشاء مجلس التعاون والتي أسفرت في النهاية عن تأسيس تلك المنظومة الحيوية التي كان لها دور كبير في التأثير على الأوضاع ككل في منطقة الخليج.

وكان لكلا الحدثين دور مهم في تغير الخارطة السياسية والاستراتيجية لمنطقة الخليج كما كان لكليهما دور مهم في التأثير على المتغيرات التي طالت منطقة الخليج العربي حتى يومنا هذا.

في فبراير من العام 1981 كانت المفاوضات تجرى حثيثة ومطولة لإقامة منظومة خليجية تحافظ على أمن الخليج وتتحدث باسمه في المحافل الدولية. كانت الحاجة لوجود مثل تلك المنظومة ضرورة ملحة خاصة بعد المتغيرات الكبيرة التي طالت منطقة الخليج من الناحية السياسية والاقتصادية والاستراتيجية.

فقد شهدت المنطقة تقلبات سياسية وأيدلوجية أدت إلى ظهور نظام دولي جديد وغياب أنظمة إقليمية وظهور أخرى وبروز اتجاهات سياسية وأيدلوجية جديدة واندثار أخرى. كما شهدت أسواق النفط تقلبات كبرى وقفزة هائلة في الأسعار أدت إلى الدفع بدول الخليج المنتجة للنفط إلى الواجهة. كان لتلك التقلبات المتعددة دور مهم في الدفع بفكرة قيام منظومة خليجية ليس فقط كضرورة استراتيجية بل كضرورة للتوازن الإقليمي.

فقد كان عقد السبعينيات يضج بالعديد من التيارات السياسية والاقتصادية والأيديولوجية التي لا يمكن لدول الخليج العربية مواجهتها منفردة بل الأفضل من خلال منظومة موحدة تحمي مصالح تلك الدول وتتحدث باسمها.

واجتمعت النيات الطيبة مع الرغبة في الحفاظ على المصالح الوطنية وبدأت مفاوضات قيام المجلس بجولات مكوكية بين عواصم الدول العربية الخليجية الست التي سوف يضمها المجلس حيث كان لدولة الإمارات والكويت جهود بارزة في الدفع بمفاوضات مجلس التعاون. فقد كان للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان دور ريادي في الدفع بعملية المفاوضات في الاتجاه السليم. كما احتضنت أبوظبي ما بين شهري فبراير ومايو 1981 لقاءات للدول المؤسسة، ومن أبوظبي انطلق الإعلان عن قيام مجلس التعاون لدول الخليج العربية في مايو 1981.

ومنذ قيامه وحتى هذه اللحظة والمجلس يعمل كمنظومة سياسية واقتصادية يقاس نجاحه بمدى ما حققه على مر العقود الأربعة الماضية، بالإضافة إلى أنه اعتبر أنجح منظومة عربية حققت للدول الأعضاء الكثير من المصالح في زمن قياسي.

فقد كان للتماثل الاقتصادي والسياسي دور كبير في إنجاح مهمة المجلس وفي الحفاظ على مصالح أعضائه. ففي عقده الأول ورغم توقع الكثير من المراقبين بأنه لن يلاقي النجاح الذي يتوقعه إلا أن المجلس أثبت نجاحه في تجاوز كل العقبات وفي فرض وجوده كواقع سياسي واقتصادي بارز.

ويمكن أن يكون أهم تحدٍ له هو ما واجهه في عقده الثاني عندما بدأت المطالبة بتفعيل دور هيئة حل المنازعات بين دول الخليج خاصة في أعقاب غزو صدام للكويت. وعلى الرغم من هذه العقبات إلا أن المجلس صمد في وجه كافة التيارات.

إن دخول مجلس التعاون اليوم عقده الرابع واستمراريته كل تلك السنوات وتجاوزه للعديد من التحديات السياسية والاقتصادية لدليل على الرغبة الصادقة بين دول الخليج المؤسسة في الحفاظ على المجلس كمنصة حيوية ومهمة تحمي مصالح أعضائه وتمثلهم في المحافل الدولية.

فمما لا شك فيه أن بقاء المجلس ضرورة حيوية للدول الأعضاء كما هو ضرورة حيوية لإقليم الخليج ككل. فالخليج أثبت أنه منطقة مؤثرة سياسياً واقتصادياً على العالم ليس فقط بفضل ثرواته بل لأنه لاعب رئيس على الساحة العالمية. ولهذه الأسباب فإن معظم قيادات الخليج حريصة كل الحرص على تجنيب مجلس التعاون الضعف والانهيار والحفاظ عليه كأحد أهم المكتسبات الحيوية التي نجحت دول الخليج في تحقيقيها.

إن دول الخليج وهي تحتفي سنوياً بإنشاء المجلس إنما تحتفي بمنظومة سياسية واقتصادية لعبت دوراً مؤثراً على الساحة الخليجية وكان لها دور كبير في الحفاظ على المصالح الخليجية والعربية في وجه مؤثرات إقليمية سياسية وأيدلوجية كان في إمكانها أن تترك آثاراً سلبية على المنطقة بأسرها.

إن الدور الذي قام به مجلس التعاون لا يمكن أن يتجاهله العاقل والمدرك بحيثيات الأمور وسير الأحداث في المنطقة ولهذا يعد الحفاظ عليه مكسباً سياسياً واقتصادياً مهماً، كما تعد ديمومته مكسباً مهماً لمنطقة الخليج وللمنطقة العربية بشكل عام.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات