قطر وإيران وتركيا وتاريخ من العلاقات

ربما يستحضر رفع العلم التركي في الدوحة اليوم، مشهد الدوحة في القرن التاسع عشر، عندما تم رفع العلم التركي من على قصر الحاكم، والوجود التركي، والذي اعتبره الأتراك حقاً سيادياً، بحكم أن قطر تابعة للدولة العثمانية. كذلك يستحضر الوجود الإيراني في قطر اليوم، الذكريات عن طموحات فارس ومحاولاتها اليائسة في مد نفوذها على الساحل العربي للخليج منذ القدم.

فمنذ قرون طويلة، كان هناك اهتمام فارسي وتركي، يحلم بمد نفوذه على الساحل العربي للخليج. ولكن العلاقات الفارسية - التركية مع دول الخليج آنذاك، تراقب عن كثب من قبل بريطانيا العظمي، التي اعتبرت نفسها وصية على منطقة الخليج العربي، وعلى صيانة أمنه واستقراره.

الاهتمام الفارسي والتركي بالخليج الحالي، جاء ليجسد طموحات هاتين الدولتين في السيطرة على هذه المنطقة المهمة في العالم، وحجز مكانة لهما تخدم مصالحهما على المديين القريب والبعيد. فأي موطئ قدم لهما في أي أرض خليجية اليوم، ما هو إلا تجسيد لطموحات الماضي، والحرص على إعادة أحياء المجد الاستعماري القديم.

فتركيا، مثلاً، أو الدولة العثمانية، جاء اهتمامها بمنطقة الخليج العربي، لأنها اعتبرت نفسها حامية المقدسات الإسلامية في العالم الإسلامي، وسلطانها خليفة المسلمين وزعيم العالم الإسلامي. أما فارس، فقد اعتبرت نفسها قوة إقليمية ترغب في مد نفوذها إلى خارج حدودها، تجسيداً لطموحات قومية لن تتحقق في نظرها، إلا بمد نفوذها على كل الخليج.

ومنذ القدم، تجسدت الرغبات التركية -الفارسية في السيطرة على مياه الخليج، في التنافس بينهما، حتى لو أدى ذلك إلى تخليهما عن مصالح أساسية لدولهما. فقد سعت الدولة العثمانية إلى الاتصال بقوى محلية للتحالف معهم، واتخاذ أراضيهم مواقع أمامية، تسمح لهم بتحقيق مصالحهم الخاصة. أما فارس، فجاءت مطامعها من رغبتها في التسيد على منطقة الخليج. هذا الأمر جعلها تتخلى عن مصالح رئيسة في سبيل إنجاز هذا الهدف.

فمثلاً، قبلت فارس منذ القرن السادس عشر، بالتنازل عن هرمز، وهي جزء من فارس، للبرتغاليين، بسبب الهزائم التي تلقتها على يد الأتراك. كما عمدت فارس على إيجاد نوع من التفاهم والتعاون مع البرتغال لمواجهة العثمانيين.

في نفس الوقت، واجهت الدولة العثمانية قضايا عدة في سبيل فرض السيطرة على مناطق في الخليج العربي، تجعلها منصة للانطلاق منها في تنفيذ أجندتها. فمثلاً، تطلع العثمانيون في القرن التاسع عشر، للسيطرة على قطر، ورحب الشيخ قاسم آل ثاني بالأتراك، رغم معارضة والده، لمواجهة الضغط الأجنبي، وقام برفع العلم التركي على سارية بيته في الدوحة.

ومنذ اندلاع الأزمة الخليجية، والتي بدأت على أثر الاستفزاز القطري للمشاعر الخليجية، وتخطيها حدود الاتفاقيات المتفق عليها، بدأت قطر في استدعاء قوات أجنبية توافق على مساعدتها في حماية أمنها. هذا الأمر أظهر مدى حرص قطر على إعادة فتح الملفات القديمة، وفي إحياء أطماع الدول الأجنبية في الخليج العربي.

فلجوء قطر اليوم إلى استدعاء قوات تركية وإيرانية، ما هو إلا لجوء إلى استذكار مشهد القرن التاسع عشر القديم، في صورة جديدة. فإيران وتركيا، كلاهما له أجندات سياسية في الخليج، وليسا على استعداد لمراعاة المصالح القطرية على حساب مصالحهما الإمبراطورية.

فالوجود الإيراني في قطر، ما هو إلا منصة للانطلاق إلى مجال أوسع، استدعاء لمشهد الإمبراطورية الفارسية، ومحاولتها الوجود في المجال العربي للخليج، هذا المجال الذي سوف يظل عصياً على الفرس. أما الوجود التركي، فما هو إلا استدعاء لمشهد الإمبراطورية العثمانية وآمالها في إيجاد موطئ قدم جديد في المنطقة، خلفاً لموطئها القديم.

وبالنسبة لها، فإن قطر أرضية مناسبة، بحكم الوجود التركي التاريخي فيها. إن كلاً من إيران وتركيا، يرون في الأزمة الخليجية مفتاحاً جيداً ومدخلاً سهلاً للوجود في الخليج. فكلاهما له أجندات خاصة به، ينوى من خلال الوجود في قطر تنفيذها، خدمة لمصالحه الإمبراطورية، وربما تكون المصالح القطرية أقلها وجوداً.

فليس هناك من يراعي مصالح دول الخليج غير هذه الدول نفسها، وليس هناك من يغار على أمنها كقياداتها السياسية، التي تحرص على النأي بالذات عن التدخل في شؤون غيرها، حماية لأمنها واستقرارها.

إن قطر تدرك جيداً أن لهذه الدول نوايا سياسية، وهي لا تخفي نواياها الحقيقية عن أحد، ومع ذلك، تصر السياسة القطرية على التمسك بأخطائها، رغم الحقائق التاريخية، والذي سوف يدفع الثمن هو الشعب.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات