00
إكسبو 2020 دبي اليوم

بلسانٍ عربيٍّ فصيح

مرت الأيام التي احتفينا بها بلغة الضاد سريعة رغم ما تركته فينا من حسرةٍ على انشغالنا عنها وانشغالنا بسواها.

لقد احتفينا بها على الملأ وعظّمنا شأنها وعقدنا المؤتمرات والندوات وكتبنا القصائد في حبها، لكننا ونحن نضع أصابعنا على جرحها لم نعط الدواء الناجع لجسدها الذي أصابه الوهن.

زرت ذات مرةٍ أسرةً صديقة فوجدت الأم الشابة تتحدث مع طفليها اللذين كانا في مرحلة رياض الأطفال باللغة الانجليزية، وحين سألت الأم قالت، إنهم في الروضة الأجنبية لا يتكلمون العربية. قلت ولماذا لا تكلمينهم في البيت باللغة العربية؟ أليسوا مواطنين عرباً؟

ألا تخشين لو كبروا ستكون بينهم وبين مجتمعهم قطيعة لجهلهم بلغتهم العربية؟ ثم لماذا لا نعلمهم اللغة العربية في البيت ونترك هامش تعلمهم اللغة الأخرى خارج البيت؟ هذا النموذج من الأسر الحديثة بدأ يستسهل ويستعجل تكلم أطفاله بلغة أخرى على أن يتعب نفسه في تعليمهم لغتهم الأم العربية.

الأسرة هي الحاضنة الأساس للطفل ومنذ تحرك لسانه بـ(ماما وبابا) سيكون مهيئاً لتلقف الكلمات الأخرى وتربته صالحة لتعلم لغته الأم.

لماذا لو ذهبنا إلى فرنسا نجد الفرنسي يتحدث معنا بلغته الفرنسية فقط إلا ما ندر والألماني يتحدث بالألمانية فقط إلا ما ندر والروسي بالروسية إلا ما ندر؟

ذلك أن تلك الشعوب تريد الحفاظ على هويتها وتعتبر اللغة العمود الأساسي للهوية، فلماذا نعمل على إضعاف هويتنا ونهمل لغتنا العربية؟

إن الغرب يجمّل لغته بعيوننا ويسهل علينا حفظها والتعامل معها، لأنه يريدنا أن نهمل لغتنا أو نتجاهلها ونهتم بلغته فمن خلالها يستطيع أن يصدّر أفكاره ويجعل لغته مفتاحاً لنا لنقرأ فكره وتراثه وقناعاته، لأن اللغة جسر الوصول والعبور إلى الضفة الأخرى.

لسنا ضد أن نتعلم اللغة الأخرى، بل بالعكس علينا أن نوسع مداركنا وآفاقنا لأكثر من لغة لكن ما يجب أن نحرص عليه هو أن لا يكون تعلمنا للغة الأخرى على حساب لغتنا العربية.

إن الجهود التي تبذلها دولة الإمارات من خلال قيادتها الرشيدة حفاظاً على اللغة العربية وحمايةً لها من غزو اللغة الأجنبية، من خلال العديد من القوانين والمبادرات والمراكز المختصة بحماية اللغة العربية، علينا أن نعززها مجتمعياً وأن نأخذ بيد الأسر الحديثة خاصة لتهتم بلغتنا العربية، أساس هويتنا وتراثنا وأصالتنا.

فالأسرة الإماراتية والعربية عموماً تقع على عاتقها مسؤولية جسيمة في هذا الجانب ولابد من تحريك هذا الموضوع كلما سنحت الفرصة من خلال المؤسسات المجتمعية ووسائل الإعلام المختلفة، ولا ننتظر قدوم يوم اللغة العربية كي نحتفي بها على استحياء.

وقد يكون ما أقوله هنا معاداً أو مكرراً لكن ما فائدة أن نفهم الحقائق ولا نأخذ بها؟ بل حين نفاجأ بعد سنين أن ما قاله أهل الحكمة والدراية والخبرة كان صحيحاً، فنشعر بالندم بعد فوات الأوان.

إذاً لنبدأ منذ الآن نكلم أولادنا باللغة العربية اللغة الأم ونشجعهم على القراءة والكتابة بها، ونحببها في نفوسهم، لا أن نفرضها عليهم فرضاً، أما كيف نحببهم بها فهناك عدة وسائل تربوية ونفسية تراعي عمر الطفل وإدراكه وميوله، والأهم من كل ذلك أن يرى الطفل في بيتهم مكتبة ولو صغيرة، وأن يرى أمه أو أباه يقرأ في وقت فراغه كتاباً ليتعود الطفل على رؤية الكتاب ويألفه ومن ثم يحاول تقليد والديه في حب الكتاب.

لنبدأ بسقي فسائلنا بكوثر لغتهم الأم فسينشأون على حبها ويستقيم لسانهم عربياً فصيحاً وتتعزز هويتهم، وإن رغبوا في لغة أخرى أو أكثر فالفضاء أمامهم فسيح.

 

 

طباعة Email