هزيمة ترامب متعددة الأوجه

هل أعطى الرئيس الأميركى ترامب القدس مكافأة لرئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نيتانياهو، ووعده بأن تبقى الضفة الغربية، كما تقول مصادر إسرائيلية، تحت سيطرته في الأمد المنظور، ووضع شرطاً جديداً يمكن أن يصادر على حل الدولتين يتمثل في ضرورة موافقة إسرائيل.

لأن الولايات المتحدة تطوي أعلامها الآن في الشرق الأوسط لتركز جهودها الدبلوماسية والعسكرية على آسيا بعد خسائرها الضخمة في العراق وأفغانستان وفشلها الذريع في تحقيق أمن المنطقة واستقرارها، ولماذا اختص ترامب نيتانياهو بهذا الكسب الضخم بينما تتداعى مكانته في استطلاعات الرأي العام بسبب قضايا الفساد التي تلاحقه لينهض من جديد مزهواً بهذا الإنجاز التاريخي الذي وحد الشعب الإسرائيلي؟!

وفقاً للسيناريوهات المختلفة التي رسمها الجهاز الأمني الإسرائيلي لردود الأفعال العربية المتوقعة فإنها تأخذ في الحسبان وقوع خطوات احتجاجية غير عنيفة مثل إجراء المسيرات والمظاهرات وخرق النظام العام، أو الرشق بالحجارة وإلقاء قنابل المولوتوف، إلى محاولات تنفيذ اعتداءات على غرار ما حدث في العامين الأخيرين في انتفاضة السكاكين وأعمال الدهس بالسيارات..

كما وضع في الحسبان أيضاً احتمال استخدام السلاح الناري وإن كان ذلك مستبعداً، لكن ثمة توقع يشير إلى أن السيناريوهات الأكبر ربما تقع خارج إسرائيل والأرض الفلسطينية المحتلة تستهدف السفارات الإسرائيلية والمنشآت الدبلوماسية في الخارج.

وبينما يتساءل البعض في القدس الشرقية متى تندلع الانتفاضة الثالثة، هل يمكن أن يتصاعد الغضب إلى حدودها، يتوقع آخرون ألا تتغير الصورة كثيراً لأن البعض صار أكثر واقعية، لا يعتقد أن الأمور سوف تتغير كثيراً، والمهم أن يتشبث الناس بالبقاء وألا يغادروا مدنهم أو قراهم، لأن العالم صار أكثر يقظة وحفاظاً لحقوق الإنسان، وسوف يمنع الإسرائيليين من أن يفعلوا مع الفلسطينيين ما فعلوه عام 1948.

ومع ذلك ثمة من يؤكدون خاصة في جيل الشباب أن الانفجار، سوف يقع قريباً إن لم يكن اليوم فسوف يكون غداً أو بعد غد لأن إعلان الرئيس الأميركى لن يكون سوى القشة التي قصمت ظهر البعير، ولأن الشارع الفلسطيني يعاني قدراً كبيراً من الغضب المكتوم بسبب إهانات الجنود للمواطنين والمواطنات الفلسطينيات كما أن جراح حرب 48 لم تندمل بعد والخروج الكبير للاجئين الذي حدث نتيجة أعمال ترويع الناس لا تزال صوره عالقة بأذهان الجميع تجعلهم أكثر تشبثاً بالأرض..

وفي النهاية سوف يقع الانفجار، وسوف يكون ضخماً لأن الجميع يتساءل، لماذا لا يكون للفلسطينيين أيضاً عاصمة أخرى في القدس الشرقية بما يمكن الدولة الفلسطينية من أن تعيش في أمن إلى جوار إسرائيل، ولو أن الرئيس ترامب كان جاداً في مشروع سلامه لكان حفز الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي على بحث قضية القدس في تفاوض مباشر بين الجانبين ينهي كل أوجه الصراع لكنه فاجأ الجميع بإعلان تنفيذ قراره الذي رفضته كل دول العالم.

ولهذا تتوقع الغالبية انتفاضة ثالثة أشد عنفاً لأن الفلسطينيين على شفا اليأس من عملية السلام التي لم تنتج الكثير، فالاحتلال مستمر والمستوطنات مستمرة وهدم المنازل مستمر وإهانة كرامة الجميع تكاد تكون عملاً مستمراً للجنود الإسرائيليين على مدى هذه السنوات الطويلة التي تسير فيها عملية السلام سير السلحفاة.

لكن منطق الحق والقانون والسياسة يؤكد أن الاعتراف بالشطر الغربي من المدينة عاصمة لإسرائيل كان يستلزم بالضرورة الاعتراف بالقدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية في نفس التوقيت وأظن أن ذلك هو الفهم الصحيح للتسوية السياسية العادلة.

لأنه لا معنى للاعتراف بالقدس الغربية دون الاعتراف بالقدس الشرقية خاصة أن الرئيس محمود عباس لا يستطيع أن يسوق لشعبه دولة فلسطينية دون أن تكون القدس الشرقية عاصمة لها، ثم ماذا سوف تفعل إسرائيل بقدس واحدة تضم 320 ألف فلسطيني يعيشون فيها دون حقوق.

ولماذا ينسى ترامب القدس الشرقية، وهي رمز لأكثر من مليار ونصف المليار مسلم يعتبرونها رمزاً إسلامياً وثالث مدينة إسلامية مقدسة، لقد أشعل ترامب بقرار القدس صراعاً دينياً من الصعب تجاهله، لأن الاستيلاء على القدس الموحدة لمصلحة اليهود وحدهم هو إشعال لحرب دينية يصعب إطفاؤها.

أعتقد أن الحساب الدقيق لنتائج قرار الرئيس الأميركي ترامب نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، وإضافة شرط تعسفي إلى حل الدولتين يعطي لإسرائيل حق الرفض أو القبول لهذه التسوية ويؤكد أن العالم بأكمله يرفض قرار الرئيس الأميركي الأحادي الجانب الذي يخالف كل قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة وقواعد القانون الدولي، ويشكل انحيازاً سافراً لإسرائيل يسقط دور الولايات المتحدة كوسيط في عملية سلام الشرق الأوسط.

وأغلب الظن أن القرار سوف يظل معزولاً لا يسانده أي من دول العالم، والواضح أنه ما من دولة أوروبية سوف تحذو حذو الولايات المتحدة باستثناء دولة التشيك التي تدرس إمكانية نقل سفارتها إلى القدس، بما يؤكد أن القرار الأميركي سوف يبقى قراراً منعدماً لا ينتج أي أثر يذكر.

وأن ترامب قد أضر بمكانة الولايات المتحدة بقراره غير المشروع الذي يرفضه العالم أجمع، ويمتنع عن تنفيذه بصورة واضحة ومعلنة، أكدت وجود شرخ عميق في العلاقات الأوروبية الأميركية يصعب اندماله في المستقبل القريب.

 

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات