العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    الدبلوماسية الغاضبة

    جاءت ردود الأفعال العربية تجاه قرار الرئيس الأميركي ترامب بنقل السفارة الأميركية إلى القدس، لتشبه من يذاكر في «ليلة الامتحان»، فالقرار ليس جديداً على الإدارة الأميركية، فقد اتخذه الكونجرس منذ عام 1995.

    وكان الأول من ديسمبر 2017 هو موعد ترامب للنظر في القرار ولأسباب يعرفها الرئيس الأميركي وحده تم تأجيل النظر إلى يوم الأربعاء 6 ديسمبر، حيث اعتزم ترامب تنفيذ قرار نقل السفارة الأميركية إلى القدس.

    فعلها ترامب متمرداً على مواقف الرؤساء السابقين له. باختصار لأنه يعمل من أجل مصلحته وفي ضوء أوضاعه الحالية في هذا التوقيت. فهو أراد أن يصنع حالة تفتح شهية الإعلام بورقة «القدس» لما تحدثه من لغط وسط الرأي العام العالمي يبعد الأنظار عن العديد من المشاكل التي تواجهه في مقدمتها: قضية اتصالاته مع روسيا أثناء حملته الانتخابية، فضلاً عن رغبته في مد جسور التواصل مع اللوبي اليهودي لدعمه داخل الكونجرس.

    فعل ترامب ما فعله وفقاً لحساباته السياسية وجاءت ردود الأفعال العربية والدولية ضد قراره وطفت القضية الفلسطينية على السطح، وصارت تحدياً كبيراً يجب على الدول والشعوب العربية الإمساك بهذه الفرصة وتشكيل لوبي عربي تحت مسمى «الدبلوماسية الغاضبة» في مواجهة ترامب والعمل على إثنائه عن تنفيذ هذا القرار.

    نعم جاء قرار ترامب بمثابة الصدمة لحلفائه بالمنطقة العربية، لكن التحرك السريع والقوي وتقدير نتائج الموقف الصحيحة في ظل معارضة معظم العواصم الدولية والعالمية للقرار ربما يقود القضية الفلسطينية إلى الأمام، ومن يقرأ دلالات توقيت اتخاذ ترامب لهذا القرار بعيداً عن حساباته داخل الإدارة الأميركية.

    فإن هناك حسابات لم يغفلها ترامب أثناء اتخاذه القرار تتعلق بالمحيط العربي في مقدمتها حالة الانقسام والتشرذم داخل الساحة الفلسطينية وعدم إتمام المصالحة على الرغم من أن الفرصة الكبيرة التي سنحت ولا تزال سانحة، فضلاً عن انقسام الدول العربية وتآمر دويلة مثل قطر ضد أشقائها، الأمر الذي يؤكد أن هذا القرار لا يبعد كثيراً عن كونه ضمن محاولات استكمال سيناريو ٢٠١١، وتفتيت الدول العربية وإنهاكها مثلما حدث في سوريا والعراق وليبيا واليمن.

    هذا مع الوضع في الاعتبار أن الإجراءات التي اتخذت ضد مصر وبعض الدول العربية بشأن قضية سد النهضة كانت أيضاً وسيلة لإنهاك وتفتيت وتشتيت الدول العربية عن قرار نقل السفارة، كل هذه الإشارات تؤكد أن ترامب هيأ الأجواء واستغل الظروف المحيطة بالقدس وضغط على الزناد ليطلق رصاصته.

    لكن القدس ستظل أقوى من رصاص ترامب، القدس لها تأثير السحر في الوجدان العربي الإسلامي والمسيحي بعيداً عن التوازنات السياسية، ويكفي أن ردود الأفعال جاءت قاطعة ومرفوضة من قبل رؤساء وحكام الدول العربية عندما تحدث ترامب إليهم هاتفياً ليخبرهم بالقرار، فالغضب تجاه هذه الخطوة لا حدود له.

    إذ من شأنها تقويض كل فرص السلام وتعطيل ما تحدث عنه ترامب بخصوص «صفقة القرن» كما أنها منحت قبلة الحياة للتنظيمات الإرهابية لكي تتاجر بهذه القضية، وتستغلها كمطية للتفجيرات وتأجيج الصراع بين أميركا وحلفائها، غير أن المشهد قاد إلى خسائر كبيرة في الأرواح والإصابات للذين خرجوا الساعات الماضية اعتراضاً على القرار .

    كما أنه لا يمكن لأحد التوقع بحدود ردود الأفعال تجاه إسرائيل، سيما أنه وعلى حد تعبير صحيفة «الغارديان» البريطانية فإن قرار ترامب «يقذف الشرق الأوسط إلى نار ليس لها نهاية»، وبالتالي فإنه بات علينا نحن العرب الانتباه إلى أن المخطط يهدف إلى خلق بؤرة صراع داخل المحيط العربي من شأنها تمزيق المنطقة، وفشل أي مساع للسلام أو تحقيق فكرة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية على حدود 4 يونيو 1967.

    وبالتالي فإن استرداد روح القومية العربية التي توجت نصر أكتوبر 1973 صار ضرورة للوجود العربي وسط ما يحاك لهذه الأمة من مؤامرات، وبالتالي على الدول العربية التي تغرد خارج السرب العودة سريعاً.. فبرغم كل هذه التحديات فإن الفرصة لا تزال قائمة وعلينا التوحد لطرق كل أبواب المجتمع الدولي محملين بصوت فيروز: يا قدس يا مدينة الصلاة أصلي.. عيوننا إليك ترحل كل يوم.

     

    طباعة Email