شهداؤنا غيّروا وجه مجتمعاتنا

منذ تأسيسها ودولة الإمارات العربية المتحدة تعتمد على سياسة إحقاق الحق ورفع الظلم عن المظلوم وإغاثة الملهوف ونصرة الضعيف وإعادة الحقوق الشرعية لأصحابها.

وفي العديد من المناسبات الماضية صرح باني الاتحاد المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان بأن الإمارات تحترم جوارها ولا تلجأ للعنف ولا تعترف بالحلول المرتبكة والملتبسة كوسيلة لحل الخلافات مع الآخرين.

ولكنها تتبع سياسة واضحة قائمة على إحقاق الحق وعدم الرضوخ للباطل مهما قويت شوكته وعلا شأنه، وعدم الرضا عن الظلم مهما أظهر الظالم من قوة. هذا هو مبدأها عندما قدمت أول شهيد في تاريخ الإمارات قبل حوالي نصف قرن تقريباً، وعندما تم قطع البترول عن الولايات المتحدة في أعقاب حرب أكتوبر، وهذا هو مبدأها الآن وهي تقدم الشهيد تلو الآخر في اليمن أو غيره من المناطق.

فمبادئ الإمارات لم تتغير عبر السنين حيث بقي المبدأ ثابتاً ألا وهو التضحية من أجل ما تؤمن به من مبادئ وقيم أرسى دعائمها الآباء المؤسسون ويدافع عنها الآن الأبناء المؤسسين. وفي هذا السياق لم تتغير سياسة الإمارات الخارجية أيضاً منذ إنشائها وحتى هذه اللحظة، فسياسة الدولة مبنية على دعم الشرعية ومرتكزة على سجل حافل من الإنجازات في هذا المجال سواء في البوسنة والهرسك أو في أفغانستان.

من جانب آخر فإن دولة الإمارات أيضاً ومنذ استقلالها كانت تتبع سياسة الرفاه تجاه مواطنيها الأمر الذي دعا البعض إلى الادعاء بأن دول الخليج المرفهة تخلق مواطنين غير مبالين ويعتمدون على الدولة في كل شيء من المهد إلى اللحد.

ومما شجع البعض على تبني هذا الادعاء هو نمط العيش المرفه الذي تتمتع به دولنا وتلك الامتيازات الكبيرة التي يحظى بها المواطن. هذه الحقائق شجعت البعض على تبني تسمية دول الخليج بدول الرفاه. إذاً فالرفاه والتضحية في نظرهم لا يتقابلان.

شهداؤنا غيروا أو قلبوا كل تلك المعادلات وأثبتوا بأن الرفاه والتضحية من أجل القيم الوطنية لا يتعارضان أبداً، بل على العكس فالرفاه يولد الإحساس بالرغبة القوية في رد الجميل للوطن. فلم تعد دول الخليج تلك الدول المرفهة ولم يعد المواطن فيها غير قادر على القيام بواجبه تجاه الوطن، بل تسارع الجميع شيباً وشباباً لتلبية نداء الوطن عندما دعت الضرورة.

لقد نجح شهداؤنا في إحداث تغيير جذري في مجتمعاتنا وفي تغيير النظرة النمطية لهذه المجتمعات. فكل شهيد يروي بدمائه قصة قيم الإمارات ومبادئها الثابتة وحرصها الشديد على إرثها الحضاري والقيمي، وكل شهيد يكتب بدمه قصة عشق لهذه الأرض.

وكل شهيد يترك وراءه إرثاً حضارياً لدولة آمنت بأن المبادئ والقيم لا تتغير وإنما تترسخ في القلوب ولكي تترسخ تحتاج إلى رعاية وإلى سقي بدماء زكية ونقية. إن كل شهيد يسقط أو سوف يسقط دفاعاً عن مبادئ الإمارات وقيمها هو قصة عشق ونجاح مؤكداً لدولة آمنت بالحق والعدالة لها وللآخرين.

لقد غير الشهداء وجه مجتمعنا إلي الأبد. فقد كان الرفاه وتوفر كل احتياجات المواطن هما الصورة التي عرفها الآخر عنا، ولكن تسابق الشهداء لتقديم أرواحهم فداء للوطن وتسابقهم على نيل الشهادة أذهل الكثيرين. فهم يرون شباباً لم تلههم ملذات الدنيا وتوافر كافة سبل الرفاهية عن قضية أكبر ألا وهي أن الوطن في ساعة الضيق يحتاج إلى أبنائه المخلصين للدفاع عن قيمه وعن المبادئ التي آمن بها.

وما أذهل المراقبين أكثر ليس فقط استعداد الجيل القديم للتضحية وتفانيه في خدمة الوطن وهو الجيل الذي رأى بأم عينيه قيام الاتحاد وتأسيسه، ولكن الجيل الجديد من الشباب الذين لم يعايشوا إلا الرفاهية بكل أبعادها. حماسة الجيل الجديد من الشباب للدفاع عن الوطن والذود عن حماه واستعدادهم لبذل الغالي والنفيس هي في الواقع ما يذهلنا جميعاً.

إنه دليل ناصع على أننا نجحنا في بناء دولة متماسكة داخلياً وفي بروزنا في الخارج كدولة موحدة ذات ولاء وطني متماسك وهوية عروبية واضحة.

لقد آمنت الإمارات بأن المطالبة بالحق هي حق مشروع لكل فرد أو كيان وأن الأمن والأمان داخلياً وخارجياً لن يتحققا طالما أن الظلم مسكوت عنه والحقوق مسلوبة ولا ردع لظالم ولا مساندة لمظلوم. هذه هي المبادئ التي دافعت عنها الإمارات في كل مكان وأعلت رايتها سواء في طنب الكبرى أو في أفغانستان أو في اليمن أو في أي بقعة نائية في الأرض.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات