وحدة الدولة العراقية

بسيطرة العراق المفاجئة والسريعة ومن دون معارك تذكر على منطقة كركوك وحقولها البترولية الغنية (100 كيلو متر مربع)، التي كان الأكراد يأملون في أن تكون عاصمتهم الجديدة لإقليمهم «المستقل» رغم أنها تضم نسبة غير قليلة من التركمان والعرب وطوائف عرقية ودينية أخرى تجعلها متعددة الفئات، وبعودة سلطة الدولة المركزية إلى كركوك التي استولت عليها كردستان عام 2014 بعد هزيمة الجيش العراقي في الموصل- آنذاك- أمام داعش، نجحت بغداد في أن تفرض على الأرض واقعاً جديداً، حيث نزع كركوك من سلطة الزعيم الكردي مسعود البرزاني، وأضعف فكرة الدولة الكردية المستقلة خاصة بعد الانقسام الضخم في الموقف الكردي تجاه التطورات الأخيرة في كركوك على وجه الخصوص، وانضمام حزب الاتحاد الكردي الذي كان يرأسه جلال الطالبانى إلى الدولة المركزية ورفضه الدخول في أي مواجهة عسكرية مع القوات العراقية وتسليمه طواعية جميع مواقعه في منطقة كركوك إلى حكومة بغداد.

ورغم أن مسعود البرزاني يتحدث الآن عن مؤامرة وخيانة أدت إلى تسليم كركوك للسلطة المركزية دون أية معارك، غير أن ما حدث على أرض الواقع يؤكد أن سقوط كركوك جاء في أعقاب ليلة تفاوض شاق جرى في مدينة السليمانية، حضرها مسعود البرزاني رئيس الحزب الديمقراطي الذي أصر على إجراء الاستفتاء رغم تحذيرات الجميع وعدد من قيادات الحزب الاتحادي، ورأس التفاوض الرئيس العراقي فؤاد معصوم الذي قدم من بغداد مصراً على إنهاء المشكلة، لكن برزاني أصر على موقفه مطالباً بمهلة جديدة، ولم يكن هناك من حل سوى أن تبدأ السلطة المركزية تحريك قواتها وفرض سيطرتها على كركوك، وبالطبع لم تشارك قوات الحزب الاتحادي الكردي في المعارك وانسحبت من المعركة تاركة مواقعها لقوات بغداد المركزية.

لقد استطاعت بغداد أن تلزم العالم بالوقوف إلى جوار العراق بما في ذلك الولايات المتحدة التي تتعاطف مع الأكراد ومنحتهم هذا الزخم الضخم للمطالبة بالاستقلال، وبرغم التعاطف الواسع الذي تلقاه القضية الكردية توافق العالم على أن الحل الصحيح للمشكلة هو تصحيح العلاقة بين حكومة بغداد المركزية والأقلية الكردية «4 ملايين نسمة» وليس الانفصال في دولة عرقية مستقلة خاصة أن الأكراد والعرب يخوضون معاً المعارك الأخيرة ضد تنظيم داعش الإرهابي.

ولعل المطلوب الآن من العراق بكل فئاته وطوائفه كي يبقى دولة قوية موحدة أن يخفف الشيعة العراقيون من غلواء طائفيتهم، وأن يعترف أكراد العراق بحجم التقدم الضخم الذي حدث لهم في إطار الفيدرالية العراقية، وأن تعرف العشائر العربية وسط العراق أن عصر صدام حسين قد مضى وانتهى، وأن وحدة الدولة العراقية هي أعظم خياراتهم وليست داعش أو النصرة.

وقد أدارت بغداد الأزمة بشجاعة ومهارة فائقة، ولم تتسبب في أي أذى للشعب الكردي، وتمثل ردها الصحيح في تطبيق الدستور العراقي الذي وافق عليه الأكراد ورد حقول البترول خارج حدود أراضي كردستان إلى الدولة المركزية، وإعادة منافذ الحدود والمطارات إلى سيطرة الدولة المركزية، لكن مسعود البرزاني فعل عكس ذلك، بعد أن خدعته الصورة من الخارج وتصور أن الأميركيين سوف يساندونه في ظروف يحتاجون فيها إلي وحدة الكرد والعرب في الحرب علي داعش خاصة أن المعركة الحاسمة في مدينة «الرقة» السورية تقترب من نهايتها، على حين استخف مسعود البرزاني بقوة المجتمع الدولي فإذا به يجد نفسه وحيداً إلا من مساندة إسرائيل، والأنكى من كل ذلك أن يتجاهل «البرزاني» تناقضات الموقف الداخلي الكردي وخروج أصوات معارضة قوية للانفصال تمثلت في الحزب الاتحادي، كما استخف بحقوق التركمان والعرب في مدينة كركوك التي أرادها خالصة للأكراد.

ولا شك في أن التخفيف من غلواء الموقف الطائفي في العراق وإعادة الوجه العربي الوحدوي إلي سياسات العراق وتجنب ممارسات نوري المالكي السابقة التي تتسم بالتشدد الطائفي، وتوجيه خطاب سياسي جديد إلي العشائر العربية وسط العراق يضمن لها تكافؤ حقوق المواطنة، وتقليل نفوذ الحشد العراقي الذي هو بالفعل مليشيات شيعية طائفية، وتقليص حجم التأثير البالغ لإيران على هوية العراق، حيث تبدو وكأنها الوارث الوحيد لسلطات أميركا بعد غزو بغداد، كل ذلك يمكن أن يساعد على تعزيز استقرار العراق ووحدته ويزيد دعائم قوة الدولة العراقية ويعزز روابط المصلحة المشتركة بين العراق والعرب ودول الخليج ويصب في مصلحة أمن الشرق الأوسط واستقراره.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات