نريد لقطر أن تعود

أهمية التاريخ في أنه يوفر لنا دروساً وعبراً نتعلم منها ونستفيد، لكي لا نكرر أخطاءنا أو أخطاء غيرنا. ولكن يبدو أن البعض لا ينتبه لهذه العبرة، ولا يهتم بالتجارب الفاشلة، ويظل يكرر أخطاءه، كالجاهل الذي يحتاج إلى تجارب فاشلة أخرى، ربما يتعلم منها.

وعندما استعانت قطر بالقوى الخارجية لتثبيت الأمن الداخلي وحماية نفسها أمنياً، كما تدعي، فإن لهذه الاستعانة في تاريخ الخليج العربي سوابق. فقد سبق أن استعانت دول خليجية أخرى في القرن الثامن عشر بالفرس لتثبت أمنها الداخلي.

وما إن قدم الفرس إلى تلك الدولة، حتى رفضوا المغادرة، مصرين على البقاء الطويل وفرض الوصاية. لقد وفرت لهم تلك الدعوة، الفرصة الذهبية التي طالما انتظروها لكي يمدوا نفوذهم على سواحل الخليج العربي، والذي يحلمون بالهيمنة الكبرى عليه.

استعانة قطر اليوم بقوات أجنبية، كالفرس والأتراك، سوف يكون لها أبعاد خطيرة وسلبية على مستقبل الإمارة. فلكي تحمى قطر نفسها من خطر وهمي، قامت باستدعاء قوات فارسية وتركية لحماية أمنها، كما تدعي، دون أن تعي جيداً الدروس التاريخية والآثار السياسية السلبية المترتبة على الوجود الأجنبي.

والمعروف تاريخياً، أن كلاً من الفرس والأتراك، لديهما مصالح ونوايا استعمارية تجاه المنطقة. وتاريخ الخليج العربي الحديث والمعاصر، شاهد عيان، يورد لنا كل يوم أدلة على تورط الفرس والأتراك في العديد من القضايا الداخلية لدول الخليج العربية.

إن أدعاء قطر أن أمنها الخارجي مهدد، هو ادعاء زائف لا أساس له. فأمن قطر من أمن الخليج ككل، وإذا كان هناك من يهدد الأمن القومي للخليج، فهو قطر، بسياساتها المتهورة واللا عقلانية.

فقد أثبتت سياسات النظام القطري على مر عقدين من الزمان، أنه لا يعمل لا لمصلحة الأمن القطري ولا أمن الخليج. فليس من المنطق، الظن بأن استدعاء قوات أجنبية عرفت بعدائها لدول الخليج، سوف يكون لمصلحة أمن قطر أو أمن الخليج.

من ناحية أخرى، فإن تحركات النظام القطري لا تصب أبداً في مصلحة شعب قطر. فهذا الشعب قد عاني الأمرّين من سياسات نظامه المشبوهة، وارتباط هذا النظام مع أنظمة وأجندات أجنبية، استنزفت الموارد القطرية.

وعلى الرغم من الوعود التي قطعها النظام القطري مع دول الخليج الأخرى بالكف عن اتباع مثل هذه السياسات المتهورة، التي تؤدى في الواقع إلى تدمير جسر التواصل بين الأشقاء، إلا أن ذلك لم يحدث. فلم تقم قطر في العقدين الماضيين بأي عمل يمكنه أن يطمئن الأشقاء في الخليج، عدا المراوغة وتزييف الوقائع.

إن دول الخليج وشعوبها، لا تتمنى أن تقطع كل الوشائج والعلاقات مع شعب قطر. فلا أحد يكره قطر أو شعبها، بل الجميع يتمنى أن ترجع قطر عزيزة مصانة إلى الحضن الطبيعي لها. فما يحدث في قطر حالياً من تجييش للآلة الإعلامية وحرق كل أوراق الوساطة واللعب بالنار، يحز في نفوسنا جميعاً.

فلا نريد لفرد من الأسرة الخليجية أن يخرق الوشائج التي تربينا عليها جميعاً، خاصة عندما تكون تلك الصلات والوشائج هي لخيرنا جميعاً. نريد لقطر أن ترجع، وأن تكون ذخراً وعوناً لأشقائها، وليس فرعوناً عليهم. نعم، يريد الجميع أن ترجع قطر مرفوعة الرأس، ذات سيادة نابعة من مصالحها ومصالح شعبها، وأن تكون لاعباً مؤثراً في محيطها الخليجي بإيجابية، وليس بسلبية وعدوانية.

نريد لقطر أن تعود لكي تكون عوناً وسنداً، تعمل سياساتها في توافق مع أشقائها، وليس ضدهم. نريد لقطر أن ترجع، وأن تكون سيادتها مصانة، وليست مختطفة بواسطة تيارات أيديولوجية تجيرها لخدمة أجندات خارجية مشبوهة، تعمل ضد أمن الخليج.

ولأن دول الخليج تريد قطر أن ترجع مرة أخرى إلى البيئة الحاضنة لها، لذا، فهي تشجع كل وساطة خير تعمل لخير قطر ومصلحة شعبها. دول الخليج لا تريد إطالة أمد الأزمة، لأن تلك الإطالة ليست في مصلحة دول الخليج، وبالتأكيد، ليست في مصلحة قطر وشعبها.

دول الخليج تريد حلاً يحفظ لقطر ماء وجهها إذا ما أرادت الرجوع عن غيها، أو يحفظ لها سيادتها وحقوقها ومصالحها، في ظل نظام جديد، يراعي مصالح قطر ومصالح شعبها. وبالتأكيد، فإن دول الخليج مع أي حل يوافق عليه عقلاء قطر وحكماؤها.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات