العنف الإخواني

أغلب الظن أن الله أراد بمصر خيراً مرتين، الأولى عندما تمكنت جماعة الإخوان من حكم مصر لعام كامل، عرف فيه المصريون حقيقة جماعة الإخوان وأهدافها ومراميها لتسقط عنها هذه الهالة الكاذبة وينكشف جوهرها.

والثانية عندما نكصت الجماعة عن اتفاق «بشر ـ البرادعي» وضيعت على نفسها فرصة العودة شريكاً في حكم البلاد، لها الحق في أن تدخل مجلس النواب وتشتغل بالعمل السياسي لتعود ربما إلى عاداتها القديمة!

على امتداد أربعة أعوام ومنذ تم فض اعتصام رابعة العدوية في أغسطس عام 2013، وجماعة الإخوان تحاول أن تصنع من هذا اليوم الدموي أيقونة للحرية ورمزاً للصمود ينبغي أن تخلد ذكراه في القلوب! وشاهدا حيا على مظلوميتها رغم أنها الفاعل الأصلي الذي ارتكب الجريمة.

لكنها تلوي عنق الأحداث وتخفي حقائقها وتكذب بلا حدود، كي تؤكد أن الاعتصام الذي استمر لأكثر من 6 أسابيع كان مجرد اعتصام سلمي لا يهدد أمن أحد، باغته الأمن المصري بضراوة شديدة ودون سابق إنذار ليسقط هذا العدد الكبير من الضحايا «652 قتيلاً»!

وبرغم أن الجماعة تكرر هذه الاسطوانة المشروخة مع كل ذكرى سنوية لأحداث رابعة الدامية، لم تصبح رابعة أيقونة في قلب أي مصري، وإنما أصبحت شاهدا حيا على حماقة جماعة إرهابية أصابها الجنون، عاشت 80 عاما تحلم بأن تسيطر على حكم مصر ومن ورائها العالم العربي، وعندما تحقق لها حلمها الكاذب لم يطق الشعب المصري صبرا على طغيان حكمها الذي لم يستمر أكثر من عام.

بما دفع أكثر من 30 مليون مصري إلى الخروج إلى كل الميادين في كل المدن المصرية، يوم 30 يونيو يطالبون بإنهاء حكم المرشد والجماعة في مشهد تاريخي، لا يُنسى، تعتبره جماعة الإخوان دعوة شيطان رجيم في يوم تكرهه الجماعة إلى حد إنكار وجوده! هل يمكن أن يصدق مصري واحد هذا الهذيان والتخريف بعد أن ثبت له بما لا يدع المجال لأي شك أن اعتصام رابعة كان مدججا بالسلاح!

أكد ذلك تقرير منظمة حقوق الإنسان الدولية التي أعلنت أنه بينما كان واضحا أن غالبية المعتصمين غير مسلحين أكد شهود العيان وجود متظاهرين مسلحين يوم فض الاعتصام.

كما أكدت منظمة العفو الدولية واقعة العثور على ثماني جثث بالقرب من مكان الاعتصام تم نقلها إلى المشرحة، وأن عمليات تعذيب بعض الضحايا إلى حد القتل كانت تجرى ليلا تحت منصة رابعة من بعض أفراد الجماعة المسلحين بالرشاشات والسكاكين، وتخص شخوصا تشتبه الجماعة في أنهم جواسيس للأمن اندسوا وسط المعتصمين!

ثم جاءت شهادة أحمد المغير، الكادر الإخواني المعروف باسم «فتى خيرت الشاطر» في الذكرى الثالثة لاعتصام رابعة لتؤكد وجود سرية إخوانية مسلحة كانت تعمل في موقع طيبة مول المجاور لاعتصام رابعة، شاركت في إطلاق الرصاص على الأمن، فضلا عن أول من سقط قتيلا يوم فض اعتصام رابعة ضابط شرطة كبير كان ينصح المعتصمين من ميكروفون يدوي بالخروج الآمن من مقر الاعتصام حقنا للدماء قبل أن تبدأ عملية فض الاعتصام بدقائق معدودات!

بل ثمة ما يؤكد أن جماعة الإخوان كانت ترتب منذ أول أيام الاعتصام لعمليات عنف متوقعة كما نشرت صحيفة لبنانية عن زيارة مبكرة لها لموقع اعتصام رابعة، شهدت خلالها إدارة إعلام للاعتصام داخل إحدى باحات المسجد يعمل فيها أكثر من 20 كادرا إخوانيا على الحاسبات الإلكترونية وإلى جوارها محطة بث مباشر تتبع تليفزيون الجزيرة.

ومستشفى ميداني خارج ساحة المسجد يستوعب 40 سريرا يتناوب عليها أكثر من 20 طبيبا بينهم فريق من الجراحين، ومطبخ ضخم يقدم وجبة إفطار من الفول والبيض ووجبة غداء لأكثر من 20 ألف معتصم تتكون من ربع دجاجة وقطعتي لحم وخضراوات مطبوخة، فضلا عن حراس أشداء يلبسون خوذات مسلحة معظمهم يخفي أسلحة نارية في طي ملابسه!

لم يكن اعتصام رابعة كما تقول الجماعة مجرد تظاهرة سلمية تطالب بعودة مرسي المعزول، ولكنه كان جزءا من خطة شاملة أعدتها الجماعة، بدأ تنفيذها باعتصام رابعة الذي استثمرته الجماعة كقاعدة ارتكاز تنطلق منها التظاهرات المسلحة، تخرج من رابعة بصورة يومية إلى كوبري 6 أكتوبر وصولا إلى ميدان التحرير، تستخدم أسلحتها الرشاشة ردعا لكل من يعترض طريق المظاهرة ذهابا إلى ميدان التحرير وعودة إلى ميدان رابعة، الذي تحول إلى قاعدة حصينة، خلعت جماعة الإخوان أرصفة الميدان وشوارعه الجانبية وأعمدة الإنارة لبناء جدران وحواجز عازلة تمكنهم من السيطرة على المكان.

وتوسيع نطاقه ليشمل قاعة المؤتمرات على الناحية الأخرى من الميدان التي كان يجري تحويلها لمقر حكومة «مصر الحرة» متى نجحت الجماعة في تكرار ما حدث في رابعة والنهضة في ميادين أخرى تخطط لاحتلالها في القاهرة وعواصم المحافظات! وتكذب جماعة الإخوان على نحو صارخ وهي تقول الآن، إن فض اعتصام رابعة كان عملا مباغتا.

لأن عملية فض الاعتصام كانت خطوة أخيرة في محاولات متعددة استمرت أسابيع طويلة، بذلتها الحكومة من أجل إقناع جماعة الإخوان بقبول الحوار والتوافق على تسوية سياسية للأزمة، تفض بموجبها الجماعة اعتصامها سلميا، مقابل إعطاء الجماعة الحرية الكاملة للترشح في البرلمان هي وكل الأحزاب الإسلامية، والإفراج عن محمد مرسي ليعيش مع أسرته خارج البلاد، ورغم توافق الجانبين على عناصر المصالحة، أعلنت جماعة الإخوان في اليوم التالي «النفير العام» رفضا للتسوية السلمية وإصرارا على أن تمضي الجماعة قدما في مخططها التخريبي!

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات