البرلمان المعلّق والاقتصاد البريطاني

أثار الرهان الانتخابي المفاجئ لرئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي نتائج عكسية. وكان المقصود من «انتخابات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي» الإشارة إلى دعم الجمهور لنهج رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي تجاه مغادرة المملكة المتحدة للاتحاد الأوروبي.

وبدلاً من ذلك، تركتها الانتخابات في وضع مزعزع بشكل لا يصدق، من دون حتى الأغلبية في الحكومة، كما أن مستقبلها كزعيمة في وضع غير واضح. وتعكس البيانات الاقتصادية هذا الأمر.

فالأسواق تكره عدم اليقين. ومن المقاييس التي تتابع حالة الغموض هو مؤشر المملكة المتحدة لغموض السياسة الاقتصادية، والذي يظهر تناقص الثقة بشأن مرونة البلاد الاقتصادية وقدرتها على الصمود. ويتم احتسابه من خلال تتبع المقالات اليومية المتعلقة بالاضطرابات الاقتصادية والسياسية في أكثر من 650 صحيفة في المملكة المتحدة.

وكلما ارتفع الرقم ازدادت التوقعات الاقتصادية اضطراباً. وقد ارتفع المؤشر من 286 في 18 مايو 2017 إلى الذروة المذهلة 521 في 8 يونيو، يوم الانتخابات العامة.

وهذا أمر مهم لأن مستويات أعلى من الغموض ترتبط بزيادة تقلب أسعار الأسهم وانخفاض الاستثمار والتوظيف في المجالات الرئيسية للاقتصاد مثل الرعاية الصحية والبنى التحتية.

وتعود المستويات المرتفعة لعدم اليقين في المملكة المتحدة بالزمن إلى الاستفتاء على الاتحاد الأوروبي في 23 يونيو 2016. منذ ذلك الحين، ازداد نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.84% فقط، فيما ارتفع التضخم بنسبة 1.09%.

وسببت حالة عدم اليقين بشأن العلاقة المستقبلية للمملكة المتحدة مع الاتحاد الأوروبي ومفاوضات البريكست تحركات حادة في أسواق العملة نتيجة لتحوط المستثمرين لرهاناتهم وتكهناتهم بشأن الصفقات. في اليوم الذي تلا الاستفتاء، انخفض سعر صرف اليورو إلى الاسترليني بمقدار 6.2% بين عشية وضحاها.

فيما عدم اليقين في السياسة الاقتصادية وصل إلى مستوى قياسي وهو 2661. وكان قد هبط بنسبة 5.1% إضافية خلال الفترة من يونيو 2016 إلى مايو 2017، ونسبة 3.42% خلال شهر مايو 2017 وحده.

ومن الواضح أن العلاقة السلبية بين غموض السياسات وسعر صرف اليورو إلى الاسترليني تزداد حدة. ويعني ذلك أن الزيادة في مشاعر عدم يقين السياسة الاقتصادية قابلها انخفاض في قيمة الجنية الاسترليني إلى اليورو حتى 9 يونيو 2017.

ووسط نتيجة تشير إلى برلمان معلق، تغير سعر صرف اليورو إلى الجنيه الاسترليني من 1.154 يورو لكل جنيه استرليني في 8 يونيو، إلى 1.139 يورو لكل جنيه استرليني في 9 يونيو 2017 حيث انخفض بين عشية وضحاها بأكثر من 1.25%.

وعند مقارنة هذا التغيير مع 24 يونيو 2016، لا يبدو الانخفاض بالحاد جداً، لكن القضية الجوهرية هو ما إذا كان الاسترليني سوف يستمر في الانخفاض مقابل اليورو.

ويجادل أنصار البريكست بأن الشركات التي تقودها الصادرات في المملكة المتحدة سوف تستفيد من سعر صرف موات. بالتأكيد، تصدر المملكة المتحدة 44% من سلعها وخدماتها إلى منطقة اليورو، ومع استمرار انخفاض قيمة الجنيه الاسترليني نسبة إلى اليورو، هذا يجعل الصادرات البريطانية أكثر قدرة على المنافسة.

وهذا كله شيء جيد طالما لا تزال بريطانيا عضواً في السوق الموحدة. على المدى الطويل، فإن غياب التجارة الحرة، مقترناً مع احتمال اتفاق سيئ، يشيران إلى فرض تعريفات على الصادرات البريطانية.

وفي المقابل، قد تتشجع دول منطقة اليورو بممارسة التجارة بحرية مع باقي أعضاء الاتحاد الأوروبي بسلع وخدمات مماثلة لبريطانيا، وهو التهديد الذي تعتبره الشركات خطراً على مدى السنوات الثلاث.

بالتالي الأسواق غير مقتنعة برسالة رئيسة وزراء بريطانيا بشأن القوة والاستقرار. التقلب اليومي لتقلبات أسعار الصرف يوم الانتخابات في 9 يونيو كان 0.35% بمقدار مذهل 0.2 نقطة مئوية أعلى من الشهر السابق، مما يشير إلى أن الأسواق تشعر بالقلق.

هذا التقلب المتصاعد في أسعار الصرف يضر بالشركات التي تقودها الصادرات. ويؤدي إلى تصرفها بحذر حيث إن أرباحها واستثماراتها المستقبلية تبقى معرضة لمخاطر التقلبات في أسعار الصرف.

النتيجة هنا هي أن أسواق العملات لا تشعر بقوة موقف الحكومة الحالي في مفاوضات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. هذا مقترن بنقص الدعم لتيريزا ماي في الانتخابات العامة من المفترض أن يضع قيادتها في موضع التساؤل، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بالدخول في مباحثات طلاق مع الاتحاد الأوروبي.

واقع أن المشهد السياسي المحلي في بريطانيا محاط بطبقة أخرى من الغموض يشير إلى أن السياسة الاقتصادية، وأسعار الصرف، والاقتصاد الأوسع نطاقاً ستمضي في طريق مليء بالمطبات.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات