الطريق والحزام و«اللآلىء» الصينية

مهما حاولت الصين التقليل من شأن افتتاح قاعدتها العسكرية الجديدة في جيبوتي واعتبارها مجرد خطوة عادية للاستفادة بالموقع في أغراض «لوجستية»، إلا أن ذلك لن يخفي حقائق استراتيجية مهمة ترتبط بتوازنات القوى على الصعيد الدولي وصعود الصين كقوة عظمى على خريطة العالم، أما رد فعل بكين الهادئ فهو أمر طبيعي ومتوقع ويتسق مع التحركات والسلوكيات الصينية منذ بدأت مشروعها «الإمبراطوري» في منتصف ثمانينات القرن الماضي، وهي سياسة ناجعة أتت ثمارها بالفعل في تقدم الصين الصاروخي وعدم استفزاز أي من الأطراف المعنية مع تجنب أخطاء القوى الغربية التي مارست الهيمنة والإمبريالية على دول الجنوب، بينما تقدم الصين نفسها طول الوقت في ثوب «الصديق».

التمدد الصيني في كثير من دول الجنوب جعل لها مواطئ قدم «ثقيلة» بعدما حققت معدلات نمو اقتصادي هائلة جعلتها تقفز إلى المركز الثاني كأضخم اقتصاد على المستوى العالمي وفي طريقها لشغل المركز الأول خلال سنوات معدودة، ولاشك في أن أية قوة اقتصادية ناهضة وأية قوة سياسية بازغة هي دائماً في حاجة إلى ظهير عسكري يؤمن لها مشروعها «الإمبراطوري»، والصين ليست استثناء من ذلك، فبعد مبادرة «الحزام والطريق» التي تشمل ثلثي العالم على وجه التقريب، ها هي تمضي بمنتهى القوة في «لضم» عقد اللآلي بإقامة سلسلة قواعدها العسكرية في ميانمار وسريلانكا وبنجلاديش– وربما باكستان – وأخيرا جيبوتي، والقادم أكثر بكل تأكيد.

هذه الخطوات تأتي ضمن تأكيد الصين القوي والمتزايد مكانتها كقوة كبرى على الصعيد العالمي، وتجلّى ذلك بالفعل في تبني الرئيس الصيني «شي جين بينج» منهجاً أكثر وضوحاً من سلفه «هو جينتاو» لإظهار بلاده في ثوب القوة العظمى، فعلى الصعيد المحلي كان الحرص على الترويج لنظرية أن ظهور الصين كقوة عظمى يعود بالنفع على الدول المجاورة لها أيضاً، وجاء تبني هذه الأطروحات بالإضافة إلى تحركات لتقديم رؤية جديدة لآسيا ككل والمساهمة في خلق مصالح دولية مشتركة، تزامناً كذلك مع مواقف متصلبة تجاه قضايا تتعلق بثوابت الصين حول الحدود والسيادة الوطنية.

وفي الوقت ذاته ردت الولايات المتحدة بحملة للتأكيد على حرية الملاحة في المياه المجاورة، ولكن هذا التحرك محصور فقط في الدفاع عن القانون الدولي، ولم تنخرط واشنطن بصورة مباشرة في النزاعات حيال ملكية الجزر وسلاسل الصخور البحرية المغطاة بالشعَب المرجانية المتنازع عليها، كما أنها تحافظ على حوارها مع بكين وتجري تدريبات مشتركة مع القوات الصينية، وبالتالي فإنه من غير المرجح أن يؤدي رد الفعل الأميركي إلى تحول جوهري بشأن سياسات بكين في بحر الصين الجنوبي.

وتقترب العلاقات الدولية في شرق آسيا-على حد تأكيد دراسات استراتيجية عديدة- من بلوغ مرحلة تحول كبرى، لا تعكس صعود الصين الكبير فحسب، بل تحركاتها الجديدة أيضاً من أجل فرض رؤيتها الخاصة للنظام الإقليمي وإشراك نفسها في تقديم موارد المصالح العامة الدولية، خاصة من خلال إنشاء البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، وهذه التطورات تشكل تحولاً رئيسياً عن الوضع السابق، حيث كانت المقترحات المتعلقة بالنظام الإقليمي تَصدر بشكل رئيسي من دول مثل اليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية، وقد بدأ شكل النظام في آسيا المقترح من قبل الصين يتجلى مع عرض الرئيس «شي» تصوره حول رؤية أمنية جديدة لآسيا في عام 2014،الأمر الذي أصبح محور اهتمام دائماً.

فقد بدأت الصين في ذلك العام بالكشف عن أفكارها الخاصة بالدبلوماسية الإقليمية وفي العام التالي لخصت تلك الأفكار في عبارة «حزام واحد، طريق واحد» وعلى الرغم من وجود عدد كبير من النقاط المبهمة في هذا الشعار، إلا أن الهدف على ما يبدو تمثل في تقديم عبارة واحدة قد تلخص الجوانب المتعددة لدبلوماسية الصين نحو الدول المجاورة لها، فمبادرة «حزام واحد، طريق واحد» تتضمن الجانب المحلي المتمثل في تجنب الإنتاج والاستثمار المفرطين، ولكن ينظر من خلالها أيضاً على تحول الصين في نهاية المطاف إلى منافس للشراكة عبر المحيط الهادئ لتحرير التجارة التي يتم تشكيلها حالياً بين الولايات المتحدة واليابان ودول أخرى في منطقة آسيا المحيط الهادئ.

وفي غضون ذلك نشأت شكوك حول قدرة آسيان في المحافظة على دورها المركزي كمحرك لعملية الاندماج الإقليمي في منطقة شرق آسيا في وجه الرؤية الجديدة التي اقترحتها الصين وتأكيدها القوي على مطالبها بشأن حدودها في بحر الصين الجنوبي.

ولا تتوقف التحولات الكبرى الداعمة لمكانة الصين الإقليمية والدولية عند استراتيجياتها الجديدة على الصعيد الخارجي، ولكن تواكبها أيضاً إصلاحات داخلية عميقة لا تستثني الأوضاع السياسة والاقتصادية بمختلف مجالاتها والاجتماعية، وكذلك تلك المتعلقة بالجيش حيث أعلنت بكين من قبل عن خفض عدد أفراد القوات الصينية بثلاثمائة ألف فرد، وتمخض مؤتمر العمل لإصلاح اللجنة العسكرية المركزية عن برنامج شامل لإصلاح القوات المسلحة الصينية، يفرض حقائق جديدة داعمة لقوة الصين ببناء قوة عسكرية داخليا وخارجيا تليق بالإمبراطوري الجديدة.

كل هذه العوامل مجتمعة تؤكد أن الصين أصبحت بحق لاعباً أساسياً لا يستهان بقدراته وإمكاناته في بناء منظومة متكاملة للأمن الأسيوي بشكل عام، ليس هذا فحسب ولكنها تكرس مكانتها كل يوم كقوة عظمى ورقم صعب في معادلة السياسة العالمية، فمرحبا بالصين الجديدة في «نادي الإمبراطوريات الكبرى» ولو عبر بوابة جيبوتي.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات