مصر تعبر عنق الزجاجة بنجاح

كل الشواهد والدلائل والمؤشرات على أرض الواقع تقول بشفافية واضحة، إن مصر تعبر عنق الزجاجة بنجاح وإن الأزمة في طريقها للانفراج، دلالة ذلك ارتفاع حجم احتياطات النقد الأجنبي الذي لم يكن قبل شهورعدة يكفي للوفاء باحتياجات مصر الأساسية من الغذاء الذي نستورد 70 في المئة منه من الخارج لأكثر من ثلاثة أشهر بنحو 35 مليار دولار، وذلك مع عودة تحويلات العاملين في الخارج إلى معدلاتها الطبيعية عبر البنوك، وزيادة حجم الصادرات المصرية إلى الخارج بنسبة تقرب من 10 في المائة وانخفاض الواردات بنسب أكبر، وارتفاع أعداد السياحة على نحو مطرد جعل الحاقدين يحاولون استهدافها، فضلاً عن مؤشرات التحسن في الاقتصاد الكلي التي تتمثل في خفض عجز الموازنة وعجز الميزان التجاري وعجز المدفوعات، والأهم من ذلك كله الارتفاع المتزايد في حجم الاستثمارات المباشرة في مشروعات جديدة تولد المزيد من فرص العمل، والانخفاض الكبير الذي طرأ على معدلات البطالة التي هبطت من حدود 12 في المائة إلى حدود 8 في المائة لأن مشروعات التنمية الكبرى نجحت في توليد ما يقرب من ثلاثة ملايين فرصة عمل خلال السنوات الثلاث الماضية ذهب أغلبها للشباب، فضلاً عن الانحسار المؤكد لمخاطر الإرهاب الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة في سيناء.

ويتكبد خسائر بشرية مؤثرة في صعيد مصر والدلتا، بما يؤكد أن الفرج قريب وأننا نكاد نخرج من عنق الزجاجة وأننا على الطريق الصحيح، وإذا كان كل ذلك صحيحاً وهو صحيح بالفعل، فما هي الدروس المستفادة من هذه الأزمة الصعبة وقد قاربت على النهاية حتى يمتنع الوقوع في غياهبها المرة مرة أخرى، ونطمئن جميعاً إلى أن الطريق سالكة ومفتوحة أمام مصر الغد والتي ننشدها جميعاً.

أظن أن أول الدروس المستفادة من الأزمة الاقتصادية هو ضرورة فصل المسار الاقتصادي عن شواغل السياسة ومواءماتها التي كثيراً ما تفسد الخطط وتؤجل برامج الإصلاح وتعطل القرارات الصحيحة، وتحمل البلاد تبعات ضخمة وثقيلة لأسباب شعبوية لا تخلو من عمليات نفاق وخداع للرأي العام، يمليها التقاعد والعجز عن اتخاذ القرار الصحيح في توقيته الصحيح! وتكاد تكون الشعبوية هي السبب الرئيسي الذي أعاق خطط الإصلاح على مدى ثلاثة عقود، تعددت فيها محاولات الإصلاح التي نكص جميعها على عقبيه إلى حد أن مصر لم تكمل أياً من برامج الإصلاح التي بدأتها، اكتفاء بعمليات إصلاح مؤقت تتناول ظاهر المشكلة دون أن تغوص إلى أعماقها طلباً لحل صحيح يجتث أسباب المشكلة من جذورها، بما أدى إلى تفاقم المشكلة دون حل لأن الحل صعب لا يقدر عليه صاحب القرار!

ولا يقل أهمية عن فصل المسار الاقتصادي عن شواغل السياسة ومواءماتها أن نعيد النظر على نحو جاد من نظم الإدارة المحلية ابتداء من منصب المحافظ إلى رئيس مجلس المدينة والعمدة ورئيس مجلس القرية، وبات واضحاً للجميع أن هذا الحجم الهائل والمتنوع من المشكلات حدث وتضخم تحت سمع وبصر الإدارة المحلية دون أن ندري أو نمنع أو نراقب ابتداء من عشرات الأبراج الآيلة للسقوط في مدينة الإسكندرية في شوارع ضيقة لا يتجاوز عرضها خمسة أمتار، بما يشكل جريمة صارخة تمت في وضح النهار إلى عمليات نهب أراضي الدولة التي بلغت مساحتها مليوني فدان تشكل ربع مساحة الأرض المزروعة تم الاستيلاء عليها جهاراً ونهاراً وصولاً إلى العشوائيات التي تحاصر كل المدن المصرية.

درس الأزمة الاقتصادية الثالث والأهم يتمثل في ضرورة الدولة القوية التي لا تخضع للابتزاز أو الإرهاب وترفض أنصاف الحلول التي لا تقدم ولا تؤخر وتصر على تطبيق القانون وإنفاذ أحكامه علي الجميع دون تمييز، وتملك قرون استشعار ذكية تمكنها من التنبؤ بالمخاطر قبل وقوعها، وإزالة أسباب المشاكل أولا بأول قبل أن تتراكم على نحو يجعل الإصلاح متعذراً صعب المنال، دولة قوية ذات رؤية وهوية، تحسن استخدام موقعها العبقري الذي جعلها سرة العالم ومركزه اللوجستي الأعظم الذي يربط بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، وتدرك أن ثروتها البشرية هي أعز ما تملك، لأنها، كما قال الرئيس عبد الفتاح السيسي، تملك شعباً قادراً على صنع المعجزات، يبرق معدنه ذهباً في المصاعب والملمات، يتحتم تنمية قدراته على نحو مستمر بالعلم والتدريب كي تصبح الأمة المصرية ذات عقل جمعي رشيد، ترفض الخرافة وتحسن التمييز بين الغث والسمين،لا تنساق وراء إشاعة كاذبة ويعصي على الأعداء محاولات تفتيتها وتزييف وعيها وتخريب عقلها.

لقد جرب المصريون مخاطر غياب الدولة القوية عقب ثورة يناير أثناء حكم الإخوان، وغاب الأمن وسادت البلطجة الشارع المصري وصار في إمكان كل قادر أن يفرض قانونه حماية لمصالحه غير المشروعة!

شهدنا ذلك في أحداث «كرداسة» التي جسدت أقبح الصور وأكثرها شراً، وشهدناه بصورة مختلفة في أحداث «الوراق»، حيث تجرأ البعض على رفع السلاح في مواجهة الدولة لإرهابها كي تمتنع عن تطوير جزيرة الوراق لصالح أهلها بمن في ذلك واضعو اليد علي أراضي طرح النهر التي كانت الحكومة المصرية على مدى قرون عديدة تحصر مساحتها كل عام إثر فيضان النهر بعد انتهاء موسم الفيضان، لتعيد تأجيرها للأهالي بعقود موقوتة، تطوير«الوراق» لتصبح معمورة متحضرة صديقاً للبيئة لا يلوث النهر بكميات متزايدة من الصرف الصحي، وسوف يفيد أول ما يفيد سكان الجزيرة من الملاك والمستأجرين وواضعي اليد.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات