دلالات الصورة

الصورة هي تلك اللحظة الخاطفة التي تتوقف عند كبسة زر، تختزل الموقف وتكثف اللحظة، وترسم المشهد، وتنعش الذاكرة.

الصورة هي اللحظة الكاشفة على الرغم من أنها تثبت الظاهر غير أنها تذهب بعيداً لسبر أغوار النفس، وهي الصامتة المشخصة عن ارتعاش الأيادي وارتجافها، ونبض القلوب، وحيرة الأعين. الصورة هي التي تجعل من ذلك الموقف قصة خالدة وحكاية حية تفيض بمشاعر متأججة وإن مرت عليه السنون لاتزال جذوتها لم تخمد وآثارها لم تمح وكأن الذاكرة عندها توقفت.

الصورة هي ميدان التأمل والفكر ومتابعة تفاصيل صوره، ولذلك يقال دائما إن الرؤية هي الحقيقة، لذا احتفظت الصورة بقوتها التي تعاظمت يوماً بعد يوم، وآية ذلك أن الحرب الأميركية على فيتنام توقفت بفعل الصور، والأمثلة أكثر من أن تحصى.

الصورة تعني ذاكرة مرئية يمكن استدعاؤها مع ما صاحبها من مشاعر وحالة نفسية، فهي لا تعد حالة ثابته فقط لكنها عالم فسيح يمكن أن يدخله الإنسان ليحيا حيوات كثيرة، والدليل على ذلك تلك المشاعر المختلطة والمتناقضة التي تنتابك عند إعادة تفحص خطوطها، وكأن شريطاً سينمائياً يمر أمامك في لحظات، كما أنه يمكن استخلاص الحكم منها والعبر، فهي عالم يحكي قصصاً ويخلدها.

وفي تقديري أنك قد تتوقف أمام لوحة جميلة خطتها ريشة فنان ليعبر عن حالة خاصة به، غير أن الصورة الفوتوغرافية تظل نقطة الرجوع عند البحث عن الحقيقة، باعتبار أن بطلها هو الحدث ذاته وليس الفنان الذي أبدع اللون والخط، في الوقت الذي لا تخلو من قيمة جمالية مصدرها الواقع، غير أنها تغني في الوقت ذاته خيال الفنان وتلهمه، فقد يكتب شاعر منظومة فريدة من الشعر لصورة رآها.

كما أن الصورة حاضرة في دعم رؤى الكاتب والمبدع، ودائما ما تصدر أفعالنا بناء على ما لدينا من صور اختزنتها ذاكرتنا، وكان للصورة دور فاعل فيها، وكلما استطاع الكاتب أن يقترب بكتاباته من الصورة كلما نجح في إيصال فكرته للناس وكأنها الدافع والغاية.

في زمان فات كان الذهاب لاتخاذ صورة في استوديوهات التصوير زيارة لها مالها من فرحة، ولها متطلبات من حسن الهندام والتهيؤ لتلك اللحظة الفارقة، ثم كانت الكاميرات الفوتوغرافية ذات الأفلام، التي كان لنا معها جولات وجولات، أخرجت لنا وأبقيت في دولاب الذكريات ما ينعش النفس، ويحيي الذاكرة، وينثر العبير، الذي تستطيع بحق أن تتنسم ما يفوح من ثناياها.

وفي زمان جاء ومعه أحدث وأسهل وأسرع أجهزة التصوير من كاميرات ذكية وعفية وقل ما شئت فيها وعليها واستطعنا أن نصور ما نريد ونراه وأكثر، غير أنك عندما تحاول البحث عنه لا تجده وكأنها أخذت من العصر صبغته، كأن معظم الأشياء للاستهلاك لمرة واحدة، صور وصور لكنك لا تجدها، وإن وجدتها فهي متناثرة منفصلة متباعدة كحال تعاملنا مع أدوات اتصال العصر التي جعلتنا قريبين عن بعد وبعاد عن قرب.

الصورة هي حكايات نرى فيها أنفسنا عندما كنا جزءاً من الحدث بكافة تداعياته، ثم نقرؤها للمرة الثانية ونحن خارج الحدث لنرى كيف كنا وكيف نحن الآن، ولقوتها وعنفوان تأثيراتها نخاف أحيانا أن نقلب فيها أو أن نواجه أنفسنا بها، وهي أثر باق يشهد علينا ويقص للأخرين حين كانت براءة الصغار تغلف مشاعرنا وتحدد حركتنا وترسم ملامح وجوهنا، وحين كان طموح الشباب يدفعنا بآمال فدبت الحياة في ما خلدته مع رفاق الدرب وشركاء المسير رغم الثبات.

الصورة قصة فعل السنين معنا حين تتبدل أحوالها وأشكالها وأدواتها مع تبدل عمرنا وأحوالنا، لكنها تظل شاهداً علينا، خالدة في قلوبنا، تحكي ما كان، وتحفر في النفس لنا ولمن بعدنا أن ذات مرة في دنيا الناس رجال هذه حكاياتهم وتلك آثارهم. لم تكن الصورة يوماً توقيفاً للحظة لكنها حياة نتأملها.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات