الفشل الأميركي الروسي في سوريا

كان الظن الغالب أن الحسم العسكري لمعركة حلب ونجاح القوات السورية يساندها القصف الجوي الروسي في إرغام معارضي نظام بشار الأسد على مغادرة شرق المدينة، سوف يكون بداية النهاية للحرب الأهلية السورية بعد أن فقدوا أهم مراكزهم وأصبحت ظهورهم للحائط، فضلاً عن أهمية حلب الاستراتيجية كثاني مدينة سورية بعد دمشق وأول مراكز سوريا الاقتصادية.

إضافة إلى موقعها الحيوي شمالاً كمعبر لكل من تركيا والعراق.

لكن إخفاق الروس والأميركيين في تحقيق التنسيق المشترك بين مصالحهما رغم اتفاق وزيري الخارجية لافروف الروسي وجون كيري الأميركي على خطوط أساس مهمة في نهاية حكم الرئيس أوباما عطل استثمار الحسم العسكري لمعركة حلب، ووسع مساحة الخلاف بين الروس والأميركيين حول سبل الفصل بين المعارضة السورية المعتدلة وقوات جبهة النصرة التي اعتبرها الطرفان قوة إرهابية ينبغي التصدي لها.

لكن ما من شك أن استعادة بشار الأسد السيطرة على كامل حلب شكل دعماً كبيراً لنظام حكمه بعد أن فقدت المعارضة أهم ركائزها العسكرية، وبات واضحا للجميع أن ما فقدته المعارضة يصعب استعادته واستعاضته.

والواضح أن التقدم الذي أحرزته قوات النظام السوري تحت الحماية الجوية الروسية غير الكثير من ملامح الخارطة الميدانية، ووسع من نطاق سيطرة بشار الأسد التي تجاوزت ما اصطلح السوريون على تسميته (سوريا المفيدة) التي تضم دمشق ومحافظات الوسط حمص وحماة والساحل السوري وصولاً إلى اللاذقية وشمالا إلى حلب..

استعاد بشار الأسد السيطرة على كامل محافظة حمص وألزم قوات المعارضة على الخروج منها إلى محافظة أدلب، وتمكن من طرد مسلحي المعارضة من شرق مدينة حلب لتصبح حلب بكاملها تحت سيطرته، كما تمكن من استعادة بعض الجيوب في منطقة غوطة دمشق.

ومع ذلك لا يزال تنظيم داعش وبعض جماعات المعارضة المسلحة يسيطرون على مناطق حيوية، بما في ذلك مدينة تدمر التي نجح تنظيم داعش في اقتحامها مرة ثانية، ولا يزال تنظيم داعش يحتل المدينة منذ بداية معارك حلب، كما يسيطر التنظيم على محافظة دير الزور بحقولها البترولية إضافة إلى بعض المواقع الحيوية مثل الباب والرقة التي أعلنها عاصمة له.

غير أن تحسناً حقيقياً طرأ على الوضع في جنوب سوريا منذ أن أصبح الأردن طرفاً نشيطاً من خلال تشدده مع أمن حدوده الشمالية، ويزيد من قيمة هذا التحسن ما أعلنه الملك عبدالله قبل عدة أيام من أن معظم مواقع المعارضة المسلحة في الجنوب تبدي استعدادها للالتزام بوقف إطلاق النار والجلوس إلى مائدة التفاوض وقبول التسوية السلمية.

لكن جميع ذلك لم يخفف وطأة الكارثة الإنسانية التي تعيشها سوريا وراح ضحيتها أكثر من نصف مليون مواطن سوري معظمهم من المدنيين، إضافة إلى تدمير عشرات المدن والأحياء والوكالات والأسواق المسقوفة بعضها له قيمة تاريخية وأثرية كبيرة، تعاني من الخراب والحريق كما تعاني من التجويع والحصار وضعف عمليات الإغاثة سواء في الأماكن التي تقع تحت سيطرة الحكومة أو تحت سيطرة المعارضة.

ومنذ انتهاء حرب حلب لم تخرج سوى قافلة إغاثة واحدة أوصلت المساعدات إلى 49 ألف سوري محاصرون في الشمال، بينما تقول تقارير الأمم المتحدة إن حجم المطلوب مساعدتهم يزيد على مليون شخص في أماكن متفرقة داخل سوريا وإن 21 قافلة تتبع الهلال والصليب الأحمر جاهزة للتحرك لكن كلا من المعارضة والحكومة يعرقلان وصول المساعدات إلى مستحقيها.

وتبلغ الكارثة الإنسانية ذروتها مع اضطرار 12 مليون سوري يشكلون أكثر من ثلث السكان إلى مغادرة بيوتهم وقراهم ومدنهم بحثاً عن ملاذات آمنة، تغلق أوروبا أبوابها في وجوههم بدعوى أنهم ينافسون العمالة الوطنية ويغلقون أمامها فرص العمل لأنهم يرضون بأجور زهيدة.

فضلاً عن احتمال أن تكون جماعات الإرهاب قد نجحت في اختراق موجات المهاجرين التي يمكن أن تضم عناصر متطرفة هدفها نشر الإرهاب وزعزعة استقرار أوروبا وإفساد هويتها.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات