ضجة وبداية صاخبة

بداية سيئة على نحو هائل لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بعد تقديمه خطاباً غير تقليدي أمام العاملين في جهاز وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، تحدث خلاله عن حجم الحشد الذي وجد خلال حفل تنصيبه، زاعماً أن ما يصل إلى 1.5 مليون شخص كانوا في «القاعة الوطنية».

ثم قام اثنان من كبار مساعديه، وهما المستشارة كيليان كونواي والسكرتير الصحافي شون سبايسر بالإدلاء بتصريحات أكثر تفاهة وتزويراً، مما زاد الأوضاع سوءاً. كونواي قالت: إن سبايسر في دفاعه النزق عن الأعداد التي حضرت حفل تنصيب ترامب كان يستخدم ببساطة «حقائق بديلة»، وهي ما أطلق عليها المذيع تشاك تود في «ميت ذا برس» على الفور تسمية «أكاذيب».

وعلى خلاف ذلك، كانت جدلاً افتعله الشخص لنفسه، وهذا ما ينبغي أن يكون أكثر ما يثير القلق في الأمر. فالإدارة الجديدة إما شاركت في خطة ماكيفيلية لإيجاد عالم مواز للحقائق، أو أظهرت عجزاً كبيراً من البداية. وأياً من هذين الأمرين لا يبعث على الاطمئنان.

ويحسب لسبايسر أنه تصرف كمحترف خلال المؤتمر الصحافي الأول مفتتحاً المؤتمر بنكتة، ثم منتقلاً بعد ذلك إلى إعطاء لمحة عامة عن تحركات ترامب، واعداً أن لا يكذب عمداً على السلك الصحافي في البيت الأبيض.

لكن سبايسر تحول إلى شخص متهجم بشأن أعداد الجمهور الذي حضر حفل التنصيب، وأوضح أن الإدارة تعتزم أن تكون شرسة في تعاملها مع تقارير وسائل الإعلام. أضاف: «يمكننا أن نختلف على الحقائق» قبل أن يقول «هناك نقاط لدينا الحق في تصحيح سجلها». وبعد ساعة من بدء المؤتمر الصحافي، تحول سبايسر إلى محامي دفاع عندما سئل مجدداً عن سبب طرح ترامب قضية الحشد خلال خطابه أمام العاملين في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية. واتخذ نبرة مراهق مقموع متوسلاً أن يجري فهمه.

قال سبايسر: «الأمر لا يتعلق فقط بحجم الحشد» (قبل أن يوجه توبيخه إلى قائمة الإعلاميين المشككين بشأن ترامب) «بل يعود إلى ما قبل إعلان ترشيحه». وقال: «هناك هذه المسألة المستمرة في تقويض الدعم الهائل الذي لديه» (فيما تفيد استطلاعات الرأي عكس ذلك). مضيفاً: «أعتقد أنه من المحبط بشكل لا يصدق عندما يقال لك باستمرار إن أرقام جمهورك ليست كبيرة بما فيه الكفاية، وليست جيدة بما فيه الكفاية، ولا يمكنك الفوز».

وقد أصبح حشد التنصيب وأعداده قضية هامة مع ترامب نفسه. هو من وضع هذه الأجندة. ففي خطابه أمام العاملين في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، أهدر ترامب فرصة وضع رؤيته لدور وكالة التجسس في القضاء على «داعش»، الذي كان وعد في حملته الرئيسة وفي خطاب التنصيب، ولم يسع إلى رأب الصدع معهم أيضاً، بعد رفضه الأولي لقبول استنتاجات مجتمع الاستخبارات بأن روسيا اخترقت رسائل البريد الإلكتروني للحزب الديمقراطي خلال الحملة، بل إنه قارنهم بالنازيين.

ركز ترامب على أهمية وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في قتال «داعش»، وتعهد بتقديم دعم للعاملين في الوكالة (دون ذكر القيادة)، وأسهب في الحديث عن الدفاع العسكري في البلاد، لكنه، بخلاف ذلك، ركز على نفسه وكذب أمام حشد من الخبراء المحترفين في كشف الكذب بشأن حجم الإقبال على حفل التنصيب.

ثم بعث بسبايسر في أول مؤتمر صحافي له ليصب الزيت على النار من خلال توبيخ وسائل الإعلام دون أن يأخذ منهم أي سؤال. وفي دفاعه عن تلك الكارثة، فإن كبير مسؤولي البيت الأبيض رينس بريباس اتهم وسائل الإعلام بمحاولة «نزع الشرعية» عن رئاسة ترامب، مقدماً الموضوع الأكثر غرابة في حملة ترامب، والإدارة الآن. وقد كرر الكذبة بأن وسائل الإعلام شوهت صور الحشود في «القاعة الوطنية» وركزت على خطأ لمراسل مجلة «تايم» بشأن إزالة تمثال مارتن لوثر كينغ من المكتب البيضاوي. (وكانت الصورة قد غابت عن نظر المراسل، قبل أن يتراجع عن ذلك بعد فترة وجيزة).

وسعى بريباس إلى التلفيق بأن هذا جزء «من هوس وسائل الإعلام في نزع الشرعية عن هذا الرئيس، ولن نجلس وندع هذا الأمر يحدث، سوف نتصدى ونقف بالمرصاد ونقاتل بأسناننا كل يوم ومرتين في أيام الآحاد».

ولنتذكر أن كل هذه الضجة بدأت مع تركيز ترامب على التقارير الإعلامية بشأن أعداد حشد التنصيب، وتطورت من هناك إلى خط دفاع أولي لموظفين كبار في مجال الاتصالات والتواصل وكبير مسؤولي البيت الأبيض. ويعبـّر هذا في أحسن الأحوال عن تصرفات هواة.

وقد أظهر ترامب تحت قشرته الرقيقة نواة صغيرة. فقد أحاط نفسه بمستشارين في مجال الاتصالات والتواصل عبارة عن كلاب شرسة مدربة للهجوم خلال الحملة. وفي أول انخراط للبيت الأبيض مع وسائل الإعلام، كانت ردودهم كما لو أنهم ما زالوا في غمار ضجيج الانتخابات. ويفترض أن هذا بالضبط ما يريد منهم ترامب أن يقوموا به.

وقد راقبت البلاد ترامب لفترة طويلة الآن، لتأمل في أن يكون لديه النضوج والحس السليم لإحداث استنهاض سريع للوضع وللاعتراف بأن تولي الرئاسة شيء مختلف من الترشح للرئاسة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات