العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    معاً لمواجهة الضلالات

    يفرح لاعب كرة القدم كثيراً، عندما يحرز هدفاً مهماً لفريقه، لكن سرعان ما يتبدل هذا الفرح عندما يرفع حكم الراية معلناً بطلان الهدف، وفق قانون التسلل، ما يعني أن الهجمة الرائعة والفرصة السانحة لهز شباك الخصم فشلت في تحقيق الهدف.

    فرحة اللاعب، ثم حزنه تجعلني أستشعر الحالة، التي سيكون عليها ذاك الذي يسمي نفسه مجاهداً، والذي وهب روحه وفجّر نفسه وسط باريس أو في إحدى مدن تركيا أو ألمانيا أو حتى في سوق الخضار في العراق، بعد أن اكتشف أن فعلته لم تكن سوى عملية انتحار، وبطلان استشهاده لوجوب امتثالها لشروط الشهادة، التي وضحها الله تعالى في كتابه، وسنة نبيه، صلى الله عليه وسلم.

    لا يوجد لدينا مُعلم أو عالم يبين لهؤلاء وبكل صراحة ووضوح بطلان شهادتهم المزعومة، وبيان شروطها الصحيحة، التي من خلالها تحقق أهدافها المتمثلة بالدفاع عن أرضنا وعرضنا وديننا، وليس ترويع الآمنين لإجبارهم على الدخول في ديننا أو محاسبتهم على كفرهم، كما يظن هؤلاء المجرمون!

    ما يفعله بعض القادة في الجماعات الإرهابية والمتشددة يتلخص بقيامهم بشراء فتاوى تبيح القتل والتفجير، لإثبات أن هذا التصرف هو السبيل لنشر الدين، والطريق للجهاد في سبيل الله، والخلاص من المشركين والكفار وأعداء الدين!

    إن الحالة التي وصلت إليها الجماعات المتطرفة خطرة بشكل لا يمكن تصديقه، فالطرق التي يستخدمونها لغسل الأدمغة، وزرعها بالفكر الضلالي من جديد جلبت لنا الهلاك والدمار، فإن كنا غير قادرين على إدامة تآخينا مع بعضنا البعض في بعض مناطق العالم العربي، ونقتتل لمجرد اختلافنا بالرأي فكيف نُقنع أنفسنا أننا الأحق في إدارة هذا الكوكب، والبعض ينصب نفسه أو جماعته بأنها الوصية على النفوس وأهوائها وحرياتها وتصرفاتها وأفكارها.

    من خلال ما نشهده على أرض الواقع من ازدياد عدد الجماعات الإرهابية، وزيادة معتنقي هذا الفكر الإرهابي نستطيع أن نقول: إننا في مستنقع فكري مهما حاولنا الخروج منه، فسيعيقنا ضحالة وسفالة وتغلغل هذا الفكر في نفوس عناصر هذه التنظيمات أو بعض الأشخاص، الذين يعيشون بيننا في العالم العربي من الذين لم تحن لهم إلى الآن فرصة التعبير عن فكرهم سواء لفظياً أو فعلياً.

    في كل مرة أحاول فيها التفكر بواقع ما يسمى جهاد اليوم، أول ما يخطر ببالي سؤال محير جداً؛ هل الإرهابيون يجاهدون من أجل الله أم من أجل الإسلام؟ وللأسف تشكلت صورة واضحة وصريحة تفيد بأن جهادهم من أجل الإسلام، الذي ينتمون إلى جماعة أو حزب منه، وليس من أجل إعلاء كلمة الله، فهم يدافعون عن إسلام هم من بدلوا منهجه، وغيروا مفاهيمه وتفاسيره، فلو كان جهادهم من أجل الله تعالى فجهادهم باطل، لأن الله تعالى لم يطالبنا بنشر الدين بحد السيف أو بحزام ناسف كما يفعلون.

    هم يزعمون أن أفعالهم ما هي إلا نصرة للإسلام، لكن عن أي إسلام هم يتحدثون؟! هل الإسلام الذي أنزله الله على سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم، لنصرة الحق والعدل والدعوة للتآخي بين البشر، أم الإسلام الذي حرّف مفاهيمه رجال دين قصروا من أثوابهم دلالة للاقتداء برسول الله، صلي الله عليه وسلم، ونسوا أن العبرة بالتصرفات والأخلاق وردود الأفعال، وليس بالشكل والشكليات.

    لا ألوم رجال الدين المغرضين المتشددين، بل ألوم بعض مجتمعاتنا العربية، التي تنصر وتحترم وتسمع وتقتنع بمن طالت لحيته وحسب، وإن كان جاهلاً، لكون شكله يظهر أنه الصادق الأمين العالم الحكيم، ولربما الحليق يكون عالماً جليلاً ورعاً تقياً، لكن لأننا أصبحنا نتبع الشكليات، وابتعدنا عن الجوهر والمضمون، ولم نحترم علم العالم، وصدقنا مهاترات الجاهل.

    المصيبة الكبرى أن هناك أشخاصاً في تاريخنا حرفوا المضمون والجوهر لديننا الحنيف، وبدلوا معانيه ومقاصده ليتناسب مع الخطط الموضوعة والأهداف المرجوة لبعض المنافقين، ويأتون في آخر المطاف ليقولون إن ديننا الدين الوحيد الذي لم يُحرف، وإن كتابنا منزل ومحفوظ إلى يوم الدين، وهذا صحيح، وأنا لا أشك في ذلك، لكن ما أُنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، قد حُرف في بعض التفاسير، وفي بعض المضامين.

    مصيبتنا أننا ما زلنا نعتقد أن هذا كله ما هو إلا مؤامرة على الإسلام، وأن هناك عدواً يتربص ويخطط ليجعل منا أضحوكة العالم، فإن كان هناك مخطط يجعلكم تتقاتلون فلتتوقفوا عن القتال، وأفشلوا هذا المخطط، ولكن لأن نفوسكم مريضة ومُحدثكم ومعلمكم أصابته لعنة الجنون، فأصبحتم بلا هوية مجرد قتلة مرتزقة لأحزابكم وجماعاتكم وتنظيماتكم.

    نحن اليوم خاسرون بنتيجة كبيرة في مباراتنا أمام الأمم الأخرى، وجميع أهدافنا تسلل، تسلل لشخوصنا ولأمتنا بأكملها، وهذا يستوجب منا أن نكون أكثر جراءة، وأن نوجد من يجدد لنا ديننا، وأن يرجعه لعهد سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، ويترك عنه ما تم نقله وتحريفه وتغييره من بعد وفاته، وحينها سنكسر مصيدة التسلل، ونمضي في طريقنا لمعادلة النتيجة، فالفوز طريقه طويل، وبلوغه يتطلب قدرات خاصة.

     

    طباعة Email