المصالح المشتركة بين مصر وإثيوبيا

إذا كان صحيحاً أن هدف أثيوبيا الرئيسي من بناء سد النهضة هو توليد الكهرباء لوفرة مصادرها المائية،وأن السد لن يسبب أضراراً جسيمة لمصر ولن يؤثر على مصالحها أو حصتها المائية، يصبح من الأفضل لمصر وأثيوبيا ودول حوض النيل ومجمل العلاقات الإفريقية استنفاد فرص البحث عن تسوية سلمية لمشكلة سد النهضة وتعزيز علاقات التعاون والثقة المتبادلة بين البلدين في ظل بدائل متعددة تملكها مصر تحفظ لها حقوقها المائية والقانونية.

وربما يساعد الرئيس عبدالفتاح السيسي على نجاح خططه،إدراكه أن مصالح مصر الأساسية تتواجد في أفريقيا،وأن علاقاته بدول القارة وعلى وجه الخصوص بدول حوض النيل ينبغي أن تزداد قوة ووثوقاً. ما من شك أن سياسات الرئيس السيسي تجاه إثيوبيا وقضية سد النهضة حققت الكثير من التقدم كما نجحت إلى حد كبير جهوده مع رئيس الوزراء الاثيوبي هيلا ماريام ديسالين في تحقيق الكثيرمن التقدم في مفاوضات سد النهضة رغم الهواجس الإثيوبية التي يثيرها بين الحين والأخر صقور أديس أبابا.

برغم هذه الخلافات التي تثور بين البلدين على نحو متقطع نجحت جهود مصر وإثيوبيا في تحديد مسار التفاوض بين البلدين حول سد النهضة،سواء في إطار اللجنة الفنية الثلاثية التي تضم وزراء الري المصري والسوداني والإثيوبي أو في إطار اللجنة السداسية التي تضم معهم وزراء خارجية الدول الثلاث.

إضافة إلى أن مباحثات السيسي وديسالين ولقاءاتهما المتعددة أسفرت عن وجود مرجعيات واضحة ومحددة تلتزم بها مفاوضات سد النهضة هي الأولى من نوعها خارج المرجعيات القديمة التي تتمثل في اتفاقات ومرجعيات قانونية توثق حق مصر وحصتها المائية من مياه نهر النيل، لاتريد إثيوبيا الاعتراف بها بدعوى أنها تمت جميعاً تحت سلطة الاحتلال البريطاني!.

وتتمثل المرجعيات الأساسية التي تشكل أول اتفاقات قانونية مباشرة تتعلق بسد النهضة وقعت عليها كل من مصر وإثيوبيا في وثيقتين اساسيتين،أولهما اتفاق التعاون المشترك الذي وقعه الرئيس السيسي ورئيس الوزراء ديسالين في ملاوي عاصمة غينيا الاستوائية علي هامش اجتماعات القمة الإفريقية هناك، يؤكدان فيه علي مبدأين أساسيين أولهما إقرار رئيس الوزراء الإثيوبي ديسالين بأن سد النهضة لن يضر بمصالح أي من أطراف دول الحوض بما في ذلك مصر، وثانيهما اتفاق الجانبين على ضرورة التعاون المشترك بما يضمن استفادة كل الأطراف من مياه النهر.

ويخلص الاتفاق الثاني في إعلان المبادئ الذي وقعه في الخرطوم في 23مارس 2015 الرؤساء، السيسي والبشير ورئيس الوزراء ديسالين بعد مفاوضات طويلة خاضها وزراء خارجية الدول الثلاث مصر وإثيوبيا والسودان،الذي يمثل أول اتفاق قانوني تعترف فيه الدولتان مصر وإثيوبيا بأن نهر النيل يمثل مصلحة مشتركة تلزم الجميع عدم الإضرار بمصالح أي طرف،مع ضرورة التعاون وتبادل المعلومات بشفافية كاملة، والالتزام بإجراء الدراسات المطلوبة حول الآثار السلبية المحتملة لسد النهضة على دولتي المصب.

وتأكيد الدولتين على أهمية الالتزام بنتائج هذه الدراسات وتنفيذ قراراتها وتوصياتها علي نحو ملزم، في إطار الاعتراف المتبادل بحق إثيوبيا في التنمية وحق مصر في الحفاظ علي وجودها خاصة أنها تعتمد على مياه نهر النيل في 98% من احتياجاتها المائية سواء للزراعة أو مياه الشرب.

فورتوقيع هذا الاتفاق صحب الرئيس السيسي رئيس الوزراء ديسالين في زيارة رسمية إلى اديس ابابا ألقى خلالها الرئيس السيسي خطاباً مهماً أمام البرلمان الإثيوبي، أعاد فيه التأكيد على هذه الحقائق ليصبح الخطاب وثيقة ثالثة تؤكد على ضرورة التزام اثيوبيا بعدم الإضرار بمصالح مصرالمائية وتنفيذها لكافة التوصيات والقرارات التي تسفرعنها الدراسات العلمية لمجمل الآثار السلبية لسد النهضة على دولتي المصب.

مايزيد من فرص التواصل والحوار أن الرئيس السيسي يلتقي مع رئيس الوزراء الإثيوبي على الأقل مرتين في العام دون أن يخلو أي لقاء لهما من التأكيد على نفس المبادئ التي تحول دون الإضرار بمصالح مصرالمائية وتحض الطرفين على التغلب على اية مصاعب يمكن أن تواجهها مفاوضات الفنيين، سواء على مستوى الاجتماعات الثلاثية التي تضم وزراء الري الثلاثة مصر والخرطوم وإثيوبيا، أوالسداسية تضم إلى جوارهم وزراء الخارجية الثلاثة.

برغم صعوبات التفاوض مع إثيوبيا في ظل مواقف نخبتها الحاكمة وهواجسها المتعددة التي كثيرا ما تجعل من مصر جهة تعلق عليها إخفاقاتها أو تتهمها بالتدخل في الشأن الداخلي لاثيوبيا دون سند حقيقي إلا أن على اثيوبيا أن تدرك بوضوح بالغ انه مع شدة حرص مصر على توثيق علاقاتها مع إثيوبيا ورغبتها في تعزيز العلاقات المشتركة والوصول إلى تسوية صحيحة لمشكلة سد النهضة تقبلها كل الأطراف،فإن مصر ترفض بشدة توجيه أي اتهامات جزافية لها دون دليل.

لأن مصر تلتزم بعدم التدخل في الشأن الداخلي لأي من دول القارة بما في ذلك إثيوبيا، فضلا عن حرصها المتزايد على ضرورة بناء علاقات قوية مع كافة الدول الإفريقية خاصة دول حوض النيل، ليس بهدف إحراج أديس أبابا أو حصار مواقفها ولكن لتعزيز علاقات دول الحوض بما يمكنها من زيادة موارد نهرالنيل وتحسينها والحفاظ علي مصالح كل الأطراف بحيث يصبح الجميع رابحين لأن فواقد النهر إذا ما تم الاستفادة منها تكفي احتياجات الجميع وتزيد.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات