الطوابير العقارية

المشهد أشبه بمستهلكين يتهافتون على شراء سلعة مدعمة أو مجانية، ولكن حقيقة الأمر أن هؤلاء المنتظرين لساعات طويلة في طوابير تمتد أحياناً إلى ما يناهز الألف متر، مستثمرون عقاريون يرغبون في شراء وحدة سكنية لا يقل سعرها عن مئات آلاف الدراهم. أصبح هذا المشهد يتكرر في أحيان كثيرة خلال السنوات الأخيرة مع كل إعلان عن فتح باب الشراء في مشروع عقاري جديد، ولكنه تزايد كثيراً في الأشهر القليلة الماضية مع استهداف المطورين العقاريين فئات جديدة من المستثمرين.

ولم يأخذ هذا المشهد حقه من الدراسة والتمحيص. فهل هذه الطوابير العقارية نابعة عن طلب حقيقي، وتعطش في السوق لوحدات جديدة، أم إنها حِيَل تسويقية تلجأ إليها الشركات لترويج منتجها؟

والحقيقة، أن هناك تغيراً جذرياً في استراتيجيات المطورين العقاريين يمكن من خلاله تفسير ظاهرة الطوابير العقارية بعيداً عن نظرية المؤامرة؛ إذ لجأت الشركات أخيراً، عبر مشاريع منخفضة التكلفة، إلى استهداف فئات جديدة من المستثمرين من أصحاب المدخرات الصغيرة الراغبين في التملك بعدما استنزفهم الارتفاع المتواصل في الإيجار، لدرجة أصبح قسط القرض العقاري -في حال الشراء- يعادل أو يقل قليلاً عن الإيجار الشهري، ويتزامن ذلك مع تزايد رغبة شرائح كبيرة من المقيمين في الدولة بالاستقرار فيها، بدلاً من العودة إلى بلدانهم الأم أو البحث عن سوق عمل جديد.

وكنتاجٍ لهذه الاستراتيجية، لوحظ في الفترة الأخيرة تراجع في طرح مشاريع العقارات الفاخرة، بعدما اقترب سوقها كثيراً من نقطة التشبع، وفي المقابل تسارعت وتيرة إطلاق مشاريع العقارات الاقتصادية الملائمة لأصحاب الدخول المتوسطة، بل للشريحة الدنيا من هذه الفئة.

وتتجنب الشركات العقارية طرح وحدات مشاريعها دفعة واحدة، بل تطرحها على دفعات، وعبر كميات محدودة مع حملات إعلانية كبيرة يساهم فيها الوسطاء العقاريون بجهدٍ لافت، عبر التواصل المباشر مع المشترين المحتملين، وهو ما يضمن سلفاً بيع المطروح إلى حد كبير، وبحسب الإقبال تحدد الشركة الكمية المطروحة في المرة المقبلة.

والأمر المؤكد أن الطوابير العقارية التي ظهرت أخيراً لا تُخفي وراءها توجهاً نحو المضاربة، كما كان يحدث في سنوات ما قبل الأزمة، فلا تمويل مصرفياً للشراء على الخارطة، كما أن سداد الأقساط من جانب المستثمر مرهون بمراحل إنجاز المشروع على أرض الواقع.

وفي المقابل، فإن ظاهرة الطوابير العقارية تتطلب تفكيراً غير تقليدي من جانب البنوك والجهات التنظيمية، فأصبح من الضروري إعادة النظر في الحد الأدنى للراتب اللازم للحصول على قرض عقاري، بما يضمن مصلحة جميع الأطراف، وتوسيع شريحة المستثمرين العقاريين، وهو ما سيصب في مصلحة السوق استقراراً وبُعداً عن التذبذبات.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات