العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    الفيديو كليب وتذوّق الأغنية العربية

    حينما تبدأ يومك مع المحطات الفضائية العربية، تكتشف أنه ليس في استطاعتك أن تتابعها إذ أصبحت تزيد عن ألف وثلاثمئة قناة، محطات إخبارية ومنوعة وموسيقية ودينية، ومحطات تسويقية، من أين تبدأ، وماذا تتابع؟ ذلك أمر يحتاج وقتاً طويلاً، حتى تنتقي ما يرضي مزاجك.

    لو كنت من محبي الأغاني فأمامك أكثر من عشرين فضائية عربية ناهيك عن الأجنبية كلها تتسابق في تقديم الأغاني الراقصة، والمعروفة بالفيديو كليب ومعظمها تقدم الأغاني الشبابية والقليل يقدم أغاني الطرب الأصيل أغاني زمان لأم كلثوم وفيروز وعبدالوهاب وعبدالحليم حافظ إلى آخر القائمة لفناني القرن العشرين

    . بعضها يطرب الأذن، وبعضها لا تدري أين هي ملامح صوت المغني أو المغنية التي تضيع مع ضجيج الموسيقى وتقنياتها، وتحاول أحياناً أن تتابع كلماتها.

    وتكتشف أن المغني أو المغنية يمضغ الكلمات فلا تستطيع فهمها، وكل ما يمكنك سماعه همهمات لمغنية ترقص، أو بالأصح راقصة تحاول أن تغني، أو مغن محاط بالراقصات اللاتي يتبارين في الحركات الراقصة المثيرة، وحتى الكلمات التي تتابعها كلمات خالية من المعنى والروح الشاعرية التي ألفناها في تراثنا الغنائي.

    في الماضي استطاعت الإذاعة أن تقوم بدور مهم في زيادة وعي الجمهور الفني، وخلق قاعدة جماهيرية واسعة من المحيط إلى الخليج تستمع إلى أم كلثوم وعبد الوهاب وفيروز وعبد الحليم حافظ وفريد الأطرش وغيرهم. ومع زيادة شعبية هؤلاء وتكرار أغنياتهم أصبحت الأغنية العربية أكثر الرسائل العربية شعبية وصولاً إلى الجماهير العربية.

    واستطاعت الأغنية أن تسهم في صياغة الوجدان العربي المشترك، وتؤثر في لغة الخطاب اليومي للإنسان العربي وباتت مفردات الأغنيات تتردد على أفواه الناس وتستخدم في حديثهم اليومي. أما اليوم فإن الأغاني التي ترددها الإذاعات والفضائيات العربية فارغة من المضمون تجد طريقها من خلال الفيديو كليب، وعبر الأفلام السينمائية وأشرطة الكاسيت والسيديهات.

    حيث بات يغلب على كلماتها النزعة الفردية والغرق في أغاني الحب المهزوم. وعندما تسهم الفضائيات في ترويج هذا النمط السطحي فإنها تسقط في شرك الاستهلاكية. وللأسف فقد عرف السوق أغاني مثل »البرتقالة« و»الحنطور« و»العنب« و»بحبك يا حمار« و»الخضار« وهذا النوع من الأغاني بما فيها من إسفاف تسهم في إفساد ذوق الشباب من خلال كلماتها الهابطة وافتقارها للشعرية وللمضمون الهادف مما كانت تمتاز بها الأغنية العربية.

    في الفيديو كليب لم يعد هناك غناء بل هناك هز، وضجيج موسيقى، تتقصّد إثارة الجسد، دون مساس شغاف الروح. والغريب أن المحطات تتسابق إلى إنتاج مثل هذا النوع من الأغاني التي باتت تحمل معها رموز الإثارة الجنسية دون حياء، لعلها شروط العولمة..

    والمحطات تتسابق لاجتذاب جمهور من الشباب هويته مفقودة، وشخصية أفراده يعبر عنها بإهداءاته من الأغاني عبر الرسائل القصيرة المكتوبة بطريقة لا تخلو من الوقاحة أحياناً، التي تقرأها أسفل شاشة التلفزيون.. حينما نقرأ تلك الرسائل نتساءل:

    من يسمح باستمرار لعبة الفيديو كليب الهابط ؟من وراء مثل هذا الركام من التفاهات التي لا معيار أخلاقياً لها؟، ويبدو لنا أن الفضائيات لا تتعب نفسها بمحاولة الارتفاع بالذوق العام، والارتقاء بالذائقة الشعبية، في اشتراطها لبث الأغاني أن تكون كلماتها ذات مضمون وقيمة فنية.

    وهذا ليس أمراً صعباً فنحن أمة تعتز بشعرائها الكثر الذي يمكن أن يتم اختيار أشعارهم الغنائية. ولكن للأسف فالفضائيات اليوم أهدافها ذات طابع تجاري لتحقيق الأرباح دون النظر إلى مسؤولياتها نحو المجتمع.

     

    طباعة Email