كم هو البحر جميل

ت + ت - الحجم الطبيعي

هل فكر أي من الكتاب سواء في الصحف اليومية، أو الجرائد والمجلات الأسبوعية، وحتى أولئك الذين يؤلفون الكتب، أن الورق والقلم أيضاً بحاجة إلى إجازة للراحة من سن القلم الجاف أو الحبر ومن ضغط يد الكاتب عليها حينما يهم بالكتابة، هذا إذا لم يكن من مستخدمي وسائل التقدم العلمي والتكنولوجيا الحديثة وهو جهاز الكمبيوتر، وحتى بخاصية التحدث بصوت عالٍ وهو يطبع ذلك القول، هذه التقنيات المتسارعة التي يصعب ملاحقتها، وفي الوقت نفسه بات أمراً مخجلاً بعض الشيء، ونحن في القرن الواحد والعشرين، عدم استخدام هذه الوسائل الحديثة واللجوء للوسائل القديمة التقليدية التي عرفها الإنسان منذ عشرات القرون، لكن في الواقع، أنا وكثيرون من أبناء جيلي، نحب استخدام القلم والورقة، فهي متعة تعودت عليها منذ زمن طويل، ومن الصعب أن أغيّر هذه العادة الجميلة، ولم تستطع التكنولوجيا الحديثة في الطباعة، والتي باتت قديمة مع تسارع التطورات، أن تجذبني أو تسرق مني متعة الكتابة بالقلم ولمس الأوراق وحذف الكلمات بالشخبطة عليها وإضافة غيرها، إنها متعة خاصة ولدت داخلنا من يوم أن بدأنا نكتب ليقرؤنا الآخرون.

أنا لا أستطيع أن أحمل جهاز الكمبيوتر في كل مكان أذهب إليه، ولا أستطيع أن أفعل مثل الشباب والجيل الحديث من الرجال الذين يسيرون في الشوارع حاملين أجهزة اللاب توب على أكتافهم، هذه أمور لم أعتدها ولا أعتقد أنه من السهل عليّ اعتيادها، لكن من السهل عليّ جداً حمل الورقة والقلم في أي مكان أذهب إليه، وفي كل مكان وكل فندق أنزل فيه سأجد الورقة والقلم في متناول اليد، وحتى لو كنت مع الأسرة والأصدقاء في رحلة بحرية على ظهر سفينة تمخر عباب البحار والمحيطات، يمكنني أن أختلس بعض الوقت لأجلس في أي مكان على ظهر السفينة أسطر بقلمي بعض الخواطر عن رحلتي، وهذه متعة لا أتصور أنها متوافرة سوى مع أبناء جيلي.

في فترة الإجازات نجد أن المجالات متعددة سواء سياحة في الوطن أو في الدول العربية أو غيرها من بقاع العالم الواسع، ومن أجمل الرحلات تلك التي على ظهر باخرة كبيرة هي عبارة عن مدينة، وبها عدد من الموظفين يزيد على ثلاثة آلاف فرد، يقدمون خدماتهم من دون كلل أو ملل، لا تفارق الابتسامة وجوههم.

من حسن الحظ أن رحلة هذا الصيف جمعت أفراد العائلة ومن بينهم الأحفاد والأصدقاء ممن تعودت السفر معهم، أسبوع من الزمن، مر كمرور النسيم الصباحي البارد، ونحن نمر بالعديد من الدول، يسمح لك بالنزول من الباخرة إلى المدينة، ولكن عليك العودة في الزمن المحدد وإلا فاتك الركوب، وحين ذاك عليك التصرف باللحاق بالباخرة إلى المحطة الأخرى.

ومن الملاحظ أن معظم الركاب من كبار السن، ربما جاءوا للرحلة ليستعيدوا الذكريات للأيام الخوالي، أما إن كان معك أطفال فلا خوف عليهم، هنالك من يراقبهم بشكل جيد، فالأمن متوفر للجميع.

البرامج اليومية المتنوعة على سطح السفينة الكبيرة لا تترك مجالاً للضجر أو الملل، ويمكنك متابعة الشروق والغروب ومراقبة النجوم في الليل إن كانت السماء صافية. والمسألة ليست رفاهية مبالغ فيها، بل إن رسوم تلك الرحلة غير مرهقة للميزانية العائلية بل هي أوفر من الإقامة في مكان آخر، قد لا يوفر لك كل ما تحتاج في تلك الإجازة.

ومن الملاحظ أن عدد العرب قليل في تلك الرحلات، ولا أدري ما هو السبب، هل هو الخوف من البحر أم حب التجوال في المدن الكبرى، أم لمزاجات خاصة لدى الأفراد والعائلات العربية بعيدة عن الطبيعة والسماء والبحر، وأجمل ما في الرحلة أنك يمكنك الاستمتاع بقراءة الكتب التي لم تكن أمام فرصة لقراءتها بسبب مشاغلك اليومية، وعلى ظهر السفينة يمكنك احتساء القهوة والتدخين في أماكن محددة. وفي السويد مثلاً، فإن التدخين ممنوع في معظم الأماكن، وإن خالفت ذلك عليك أن تدفع مبلغاً كبيراً من المال، يجعلك تلعن تلك السيجارة وتتعلم احترام القوانين، في تلك البلدان.

الرحلة البحرية متعة خاصة، آثرت أن أكتب عنها بإيجاز للقارئ لعله يفكر في القيام بها، وأنا على قناعة تامة بأنه لن يندم وسيشكرني بداخله.

طباعة Email