نفحات رمضانية

أقبل علينا رمضان وأقبلنا عليه، تغمرنا لهفة وفرحة، لهفة العطشى إلى نبع الماء يروي الظمأى ويعيد إلى نفوسهم الحياة، وهل تموت النفس؟ نعم وإن كان الجسد يحمل علامات الحياة، بل إن أقسى أشكال الحياة واتعسها عندما تموت النفس ويحيا البدن.

جاء رمضان تشدنا إليه لهفة الذي أحرقه لهيب القيظ في يوم صائف يبحث عن ظل يحتمي به، بعد أن أتعبه السير وأرهقه طول السفر وقلة الزاد، ولما لا، وهل تصفد الشياطين وينادي المنادي يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أدبر إلا في رمضان.

جاء رمضان مجيء الحبيب، الذي يأتي على شوق إلى لقياه، فتدب في النفس الحياة وفي الجسد الهمة، وتتملكنا قدرات نفسية لم تكن قبل رمضان، فنسموا فوق كل ما من شأنه أن يحجبنا عن لحظة الصفاء التي أودعها الله في هذا الشهر الكريم. ألم يفضله الله على باقي شهور العام وخصه بنزول القرآن على الصادق الأمين، كما كانت فيه أول ضربات لأصحاب الحق في غزوة بدر، التي كانت إعلاناً عن مرحلة جديدة في تاريخ البشرية، فرق الله فيها بين الحق والباطل.

أقبل رمضان ونحن إليه في حاجة من تعثرت به راحلته في طريق موحش حتى أيقن أنه هالك لامحالة، فإذا بيد حانية تأخذ به وتشد من أزره وتقيم أوده وتمده بالقوة والزاد والعتاد ليكمل الرحلة حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً، فلا أوحش الله منك يا شهر الصيام! تلك العبادة التي خصها الله بأن نسبها إلى نفسه حين قال على لسان رسوله «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به».

عجيب أمر هذا الشهر حين ترق فيه النفس بمجرد أن تتنسم أريجه فتعلو فوق كل الأحقاد وتصفو من كل ما يكدرها أو يحول بينها وبين التعرض لنفحاته، التي قال عنها الرسول صلى الله عليه وسلم: «إن لربكم في أيام دهركم نفحات، فتعرضوا لها لعل أحدكم أن يصيبه منها نفحة لا يشقى بعدها أبداً»، فتصفح عن من ظلمها وتسامح من أساء إليها وتعطي من حرمها وتترفع عن النقائص وتبذل بذل من لا يخشى الفقر بطيب خاطر دون مَنٍّ أو انتظار جزاء إلا من رب السموات والأرض، مصداقاً لقوله سبحانه في سورة الإنسان «إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً».

إنه شهر الخير الذي يضاعف الله فيه الأجر، وفي كل ليلة له فيها عتائق من النار حتى تجيء الليلة الموعودة التي من حرم خيرها فقد حرم، إنها ليلة القدر التي تفوق في خيرها ألف شهر من القيام والعبادة. إنه رمضان ذلك الشهر الذي يعاد فيه تشكيل النفس وتتزود بزاد العام ليظل إيمانها يقظ نشط قادر على مواصلة السير في دروب الحياة دون نقصان، أو لم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الإيمان يزيد وينقص، فحال الإنسان دائم التقلب، ورحاه تدور بين علو الهمة والركون إلى الحياة التي هي دنيا، فيأتي رمضان ببركاته ونفحاته ليمسح بيده الحانية على القلوب فترق لمن حولها وتحنو عليهم وتتسع دائرة النظر بعيداً عن الذات لتشمل آخرين وكأنهم لم يكونوا حولنا قبل رمضان، وتخف الخطى إلى المساجد وتبسط اليد لفعل الخيرات وتبحث عن دروبه ساعية إليه وهي التي كانت شحيحة مقبوضة وكأن روح رمضان دبت في النفس فتبدلت من نفس أمارة بالسوء إلى نفس تحث صاحبها على الخير وتدفع به إلى دروبه.

لنأخذ من فيض نور رمضان هدى يُضئ الدرب، ولنستلهم من وحي رمضان أخلاقاً تهذب نفوسنا ليكن حالنا في رمضان هو حالنا في غيره، وليجدد فيه كل منا العهد أن يكون فيه الإخلاص للوطن والدفاع عن حياضه غاية والحرص على مصالحة أسبق من الحرص على النفس والمال، ما أحوجنا أن يستلهم المعلم من رمضان رسالة نشر النور والخير والتسامح في نفوس طلابه، وأن يعلم أنه ببناء طلابه على العلم والخلق القويم فإنه يحدد مستقبل وطن بأكمله.

وأن تستلهم الأسرة منه لم الشمل حين تحين ساعة الإفطار فتجتمع في وقت واحد على مائدة واحدة يتفقد فيها الحاضر الغائب فيعم الدفء بين أبناء الأسرة بعد أن عز بين مشاغل الحياة. ما أحوج أصحاب الكلمة في إعلامنا العربي أن يستلهموا من رمضان روحاً تنعكس فيما يسطرونه فتكون كلماتهم بلسماً شافياً من كل داء لا سماً زعافاً ينشر الحقد والكراهية. ما أحوجنا جميعاً أن نستلهم من رمضان روحاً تجعلنا نعلم جميعاً أننا أبناء أب واحد وأم واحدة فكلنا لآدم وآدم من تراب. ما أحوجنا إلى أن نتعرض لنفحات رمضان مرددين حبيب جاء على فاقة.

تعليقات

تعليقات