لمحة عن ثقافة الطهي العربية

شكل العراق مركز الكون بالنسبة إلى الكتاب العرب خلال العصور الوسطى، وكان منذ أكثر من ألف سنة، محوراً لثورة ثقافية واسعة النطاق، حلت مباشرةً بعد بداية عهد العباسيين الحاكمة في عام 750م. ومثلت بغداد مركز السلطة الإمبراطورية للعباسيين، وقد أسسها الخليفة العباسي الثاني أبو جعفر المنصور. وكانت «قلب السوق» حيث يتم جلب الفنون والعلوم، والمكان الذي تُطلب فيه الحكمة.

درس علماء العصر الحديث، عن كثب، العناصر الغنية والمتنوعة لسوق بغداد الثقافي، وفي جعبتنا اليوم صورة لذلك التطور في الشعر والدراسات والكتابات الأدبية، والعلوم الدينية، ناهيك عن الأبحاث العلمية.

ولكن، هناك زاوية واحدة من «السوق الثقافي» لقيت اهتماماً ضئيلاً، وهي إعداد الطعام. ونحن محظوظون لقدرتنا على إثراء مكتبة القرون الوسطى الصغيرة للغاية المتعلقة بكتب الطهي، حالياً، وذلك عبر كتاب أسهمت بها تقاليد تذوق الطعام العراقي. ويعود ذلك الكتاب لبغداد في أوائل القرن التاسع. ولم يكن مؤلفه، الذي كان والده خليفة، كما اشتهر بصفته شاعراً وموسيقياً، سوى إبراهيم المهدي الذي يكنى بـ«ابي إسحاق».

يعتبر ترميم مخطوط «كتاب الطبخ» الذي وضعه أبو إسحاق إبراهيم المهدي، أمراً مهماً لعدة أسباب. ويرجع ذلك أساسا لأن كتابه يعد، تقريباً، ومن دون ريب، أول كتاب طهي عملي باللغة العربية. ويشير كل من الكتاب، واهتمام إبراهيم المهدي بالطهي، على حد سواء، إلى مساهمته الفريدة التي قدمها لمتعة تذوق الطعام، الشاهدة على ظهور المطبخ الرفيع.

لعبت ثلاثة تطورات دوراً في ظهور المطبخ الحضري الرفيع الجديد. فقد كان تأسيس بغداد نفسها (عام 760م) أمراً بالغ الأهمية. إذ عمل عدد وتنوع سكانها على تسهيل قبول وتبادل تقاليد الطهي من جميع أنحاء الإمبراطورية، حيث أُدرجت الأطباق الإقليمية المختلفة في إيجاد المطبخ الرفيع. كما كان دور كل من البلاط العباسي والحكومة الإمبراطورية هاما.

كانت بغداد، على الأرجح، أكبر تجمع حضري معروف في العالم، وكان المطبخ الراقي مجرد جانب واحد من شهرتها. فقد كانت المدينة كذلك نموذج القرون الوسطى، ومن دون منازع، لمدينة زراعية، وهي مزيج حضري مع أراضٍ ريفية مشتركة يتم استقاء المواد الغذائية منها.

كان العراق خلال العصر العباسي ينعم بما أسماه المؤرخون «ثورة خضراء في القرون الوسطى». ويشمل ذلك تقديم ونشر عدد من محاصيل المواد الغذائية (والألياف)، وذلك بشكل رئيسي من الهند، وإلى العالم الإسلامي في المشرق، والأندلس. مثل العراق بوابة انتشار للغرب. ويمكن إيجاد بعض المحاصيل الغذائية في وصفات إبراهيم المهدي وخبراء الطهي الآخرين. لتشمل الباذنجان، السبانخ، وقصب السكر، والأرز، وغيرها. ووجدت التوابل باهظة الثمن طريقها لأسواق العاصمة ومنها الأطباق الزاكية، غنية النكهة، للمطبخ العربي الجديد.

مثلت ذهنية الطهي المعاصرة الخاصة بإبراهيم المهدي مطلع حركة نشأت في أوساط البلاط الحاكم، لتنتشر بسرعة لقطاعات بغداد الأخرى، وغيرها من المراكز الحضرية في الإمبراطورية العباسية.

وصل إبراهيم المهدي إلى مرحلة النضج في عهد الخليفة الشهير شقيقه هارون الرشيد. وكان الاثنان، وبقيا، صديقين مقربين، وكان هارون الرشيد يسعى للرفقة الأخوية مع إبراهيم، وللمتعة المتصلة بمواهبه الفذة، بصفته أحد أبرز الشعراء والموسيقيين في البلاط.

تعكس أقسام كتاب إبراهيم المهدي مزيجاً من تقاليد الطهي المختلفة. وتمثل المطبخ المهيمن، على الأرجح، في ذلك الوقت، في المطبخين الفارسي والهندي. وكان المطبخ العربي التقليدي موجوداً، بالطبع.

لا نستطيع، في النهاية، إلغاء تأثير بلاد ما بين النهرين، فقد وُجدت تقنيات وأدوات ومكونات في الطهي خلال القرون الوسطى، تنم عن تراث بالغ القدم. كانت مساهمة إبراهيم المهدي وجيل «الحركة الجديدة» من الذواقة لغرض توفير الأكل عن طريق المغامرة، بحيث لم يعودوا ملزمين بنكهات المنطقة الأم.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات