قنبلة فكرية

لم يعد اليوم الخوف من السلاح، فالأسلحة تقتل أشخاصا بأعينهم، بل بات الخوف من الأفكار التي بها تقتل البشرية بأكملها، وكم من أفكار وسموم دخيلة على مجتمعاتنا حتى بتنا نشاهد جرائم تَقشَعِرُ لها الأبدان، وإن كنا نستغرب من تلك الجرائم التي تُرتَكَب في العديد من الدول الغربية، وكنا نقول إن الروابط الاجتماعية والوازع الديني لا تتوافر لديهم، فبات العاقل فينا لا يستغربها على مجتمعاتنا..

ومن المفترض أن يكون بداخلنا وازع ديني، وتربطنا روابط اجتماعية ووحدة دم وعقيدة، بل إنه محرم بموجب تحريم قتل النفس بقوله تعالى ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (سورة المائدة (32)).

أفكار وسموم دخيلة على مجتمعاتنا العربية، فبتنا نجد الجريمة في كل مكان، وتجردنا من الإنسانية وأصبحنا نعايش واقعاً مريراً، حروبا ونزاعات، أزمات وتناقضات..

وإن كنا نعيش في دولة سلام وأمان ولا نشاهد الدماء تسيل في شوارعنا والحمد لله، لكننا نشاهدها في دول اخرى في صفحات الجرائد اليومية وقنواتنا الفضائية، أو من خلال شاشات هواتفنا الذكية، جرائم يقوم بها أشخاص منفردون وفكرهم مشوش وآخرون ينتمون إلى جماعات عدائية إرهابية.

هذه الجرائم التي ترتكبها الجماعات الإرهابية في وطننا العربي كجرائم الحوثيين في اليمن، وأخرى في سوريا، وأفظعها في العراق، فدعونا نبحث عن الحقيقة وإن كانت مُرة، فما السبب في ذلك؟!، هل الإنسان يولد مجرماً؟! أم أنه يتحول مع مرور الزمن؟! أم أن هناك من يصنع الإجرام؟! بالتأكيد الإنسان يولد على فطرة الخير ..

وهذا أمر لا جدال فيه بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ»، فأما أن يتحول فهو الأمر الوارد «فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ»، ولكن أن نجد من يصنع مجرماً فهذا أمر محبك ومخطط له.

الإعلام المفتوح سهّل عملية دس الأفكار، بينما في الزمن الماضي كانت الأفكار تُدَس داخل الكتب، وبين مجموعة من الأفكار الصحيحة يُزَج بفكرة أو أفكار خاطئة..

لكن اليوم أصبح ما بين مجموعة من الأفكار الخاطئة فكرة واحدة صحيحة وربما لا تجدها، والجميع عرضة لهذه الأفكار سواء المثقفين والمتعلمين أو الجهلاء، فالجميع يستخدم وسائل التواصل الاجتماعي وبذات الطريقة والأسلوب «توزيع اعجابات، ونشر منشورات»، وكثرة التعرض للفكرة تزيد من فرصة الاقتناع والتصديق وكما يقال (التكرار يعلم الشطار).

والآن وجب علينا أن نطرح تساؤلاً، هل الأفكار الحميدة التي نادى بها ديننا الحنيف لا تنطبق على هذه التكنولوجيا أو على هذه الوسائل؟! فقول الحق تبارك وتعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (سورة الحشرات) يبين لنا كيفية التعامل مع المعلومات الخاطئة..

والأفكار المدسوسة، فالعاقل قبل الجاهل عليه أن يعي هذه الموعظة، فليس كل ما يُنشر قابلا للتداول، فإذا كانت الرسالة المنشورة فيها نوع من البغض أو الحقد أو حتى تضليل، فسيحاسب عليها ناشرها، وأيضاً من يقوم بإعادة بثها، لذا علينا أن نتقي الله في منشوراتنا وفي كلماتنا وفي عباراتنا، وألا نفتح المجال لخلق عداوة أو نساعد في نشرها وبثها مرة أخرى.

الأساليب تتغير وتتجدد، فها هي إيران تستخدم ألعابا الكترونية ومن قبلها داعش استخدمت العديد من هذه الأساليب للوصول إلى أطفالنا، وبث سموم العنف في نفوسهم، ومحاولة تربيتهم على معتقداتهم وتنشئتهم على حقاراتهم، وهذه هي رسائل المجون والرذيلة التي تنتشر بشكل مباشر على صفحات الإنترنت..

وفي مواقع معروفة وغير محظورة، فأين نحن من هذه الرسائل عندما تدخل عقول أولادنا لتصبح فيما بعد من ثقافاتهم، فلا تلوموا الأجيال فيما بعد، فنحن من سنحنا الفرصة بأن تدخل مثل هذه الرسائل بيوتنا، وبخلاف رسائل المجون، هنالك رسائل العنف والإرهاب، فقد بات أولادنا عرضة لمثل هذه الرسائل، والجميع يوجد الخطأ ولا يعالجه، والجميع يعلم أن السموم الآن تدخل من الشاشات الصغيرة قبل الكبيرة، ولكننا نتجاهل هذا الأمر؟!

لذا وجب علينا أن ننتبه أكثر للوسائل التي بين أيدي أطفالنا، وأن نضع لها وسائل تقنين عائلية قبل تلك الحكومية لنسيطر على الرسائل التي تدخل بيوتنا وتشق جدرانها لتزرع من نفسها مفهوماً في معتقداتنا أو منهجاً في أذهان أطفالنا، وعلينا أن نربي أجيالنا القادمة على المحبة ونبذ العنف والأخلاق الحميدة..

وعلى مؤسساتنا أن تزيد من حملاتها التوعوية وتحذر من هذه الأفكار الدخيلة على مجتمعاتنا، بل أن يتعدى الأمر لإيجاد قوانين صارمة ومُفَعَلة بحق كل من يروج لهذه الأفكار وأن نشدد الرقابة على شبكات المعلومات المستخدمة داخل الدولة، والحل لا يكون فقط بحظر المواقع، بل أيضاً مخاطبة المواقع الالكترونية العالمية ووضع رقابة عالية عليها، فنحن المسؤولون عن حماية أبنائنا من هذا الفضاء الالكتروني المفتوح، فنحن نواجه فنبلة فكرية علينا حماية أنفسنا منها.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات