لوحات الفيوم أقدم الروائع الحداثية

قبل ألفي سنة من بيكاسو، رسم الفنانون في مصر بعضاً من أهم اللوحات التي تصور الأشخاص في تاريخ الفن. وفي أواخر عام 1880، بدأت عشرات اللوحات الشخصية الجميلة والغامضة بالوصول إلى أوروبا والولايات المتحدة، آتية من مصر، من منطقة تسمى الفيوم، وهي واحة مترامية الأطراف تبعد 150 ميلا إلى الجنوب من الإسكندرية، غربي النيل.

الوسيط الفني النمساوي ثيودور غراف امتلك مجموعة كبيرة منها، ووثق اللوحات التي عثر عليها في هوارة، في الحفريات التي نفذها عالم الآثار فليندرز بيتري، وهو أحد آباء علم الآثار الحديث، الذي زار الفيوم مرتين.

وكشف عن عدد قليل من اللوحات الشخصية سابقاً، وخرج بعضها إلى النور من مواقع أخرى مختلفة خارج الفيوم أيضا، بحيث أصبحت تشكل ما مجموعه أكثر من ألف لوحة شخصية حتى اليوم.

وعلى الأرض المرتفعة حيث التقى المنخفض بالصحراء، بعيداً عن امتدادات المياه الشاسعة التي تظهر في كل عام عندما يفيض نهر النيل، دفن سكان المنطقة من الإغريق موتاهم. هنا وفي مناطق أخرى من مصر، كان الموتى الأثرياء، في القرون الثلاثة الأولى للميلاد، يدفنون محنطين وإلى جانبهم لوحات شخصية، مرسومة إما على لوح خشبي رفيع أو على رداء موضوع فوق الوجه.

أندريه مالرو وصف لوحات الفيوم قائلا:«إنها متوهجة بلهيب الحياة الخالدة». وهي نتاجات تقاليد اليونان الطبيعية، وأفضلها ما رسم مستوحى بشكل مباشر من الحياة، التقط وجههم الحياة على طبيعتها. وتأمل أجمل ما رسم من اللوحات الفنية يعد تجربة فريدة من نوعها، وقد كنت محظوظا بما فيه الكفاية لرؤية معرض لمثل هذه اللوحات الشخصية قبل سنوات قليلة خلت في المتحف البريطاني.

المتأمل يصبح متصلا بشكل مباشر مع الشخص المرسوم في اللوحة الشخصية. ويعتقد أن لوحات الفيوم أكثر اللوحات التي وصلتنا تميزاً من العالم القديم. وهي مميزة بسبب رؤيتهم الاجتماعية وبسبب نوعية الفن. ولكن حتى الآن أهملت هذه اللوحات من قبل المؤرخين والنقاد.

يعود أقدم اكتشاف للوحات الفيوم إلى عام 1616، عندما زار الرحالة الإيطالي بيترو ديلا فال (1586-1642) مصر، وهو في طريقه إلى الهند. وعبر ديلا فال سقارة، وهي مدينة موتى كبيرة مليئة بالبقايا المتداعية من الأهرامات القديمة. ونشر ديلا فال لاحقا وصفا لها، متكاملا مع نقوش اللوحات الشخصية، إلا أن هذا العمل أهمل.

الباحثون يقدرون على نحو متزايد هذه الأعمال النفاذة، واليوم يدرسونها بأدوات عالية التقنية. وبالنسبة إلى البعض، فإن لوحات الفيوم تتميز بالجدارة الفنية ذاتها التي تمتاز بها لوحات الرسامين القدامى،إلا أنها يبلغ عمرها ألفا وخمسمئة عام، وهؤلاء الرسامون ينتمون إلى عصر النهضة وما بعد عصر النهضة، مثل رامبرانت وتيتان لديهم سلف عظيم في العالم القديم. وتعود بعض هذه الأعمال الفنية إلى بيكاسو وموديلياني.

اليوم هناك نحو ألف لوحة شخصية من الفيوم يمكن رؤيتها في مجموعات فنية في مصر والمتحف البريطاني ومتحف المتروبوليتان وفي اللوفر ومتحف بتري. واحتفل بلوحات الفيوم لأكثر من قرن من الزمن، بسبب حيويتها والتواصل الآني الذي تحدثه بين الناظر إليها وبين الموتى المصريين القدماء. وحرفياً يمكن لهؤلاء أن يقابلوا الماضي وجهاً لوجه، وعندما ينظر إليها يشعر المرء بأن هذه اللوحات رسمت قبل شهر فقط. وحتى اليوم تبدو جميع الوجوه مألوفة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات