حزام خوص

من الجمل المهمة التي تؤشر على المزيج الرائع لاختزال الأدب والإرث الثقافي لدولتنا الحبيبة «حزام خوص» وهذا مزج عجيب بين كلمتين «حزام» و «خوص».

الكلمة الأولى تعني القوة والثقة والأمان، والثانية تعني الضعف وليس أي ضعف، بل الضعف الذي ليس له درجة تحدده، بل يعني أنه ضعف متواصل، ومن الممكن أن يكون من الأضعف إلى الأضعف، فالأضعف، وبدون توقف عن الضعف.

هنا تتجلى وتظهر قوة موروثنا الثقافي الاجتماعي في صياغة ثقافته وتسخير معطياته لصناعة الرموز التي تشكل الحكمة الشعبية، التي يرتكز عليها المجتمع ودعونا نفسر مثلنا أو جملتنا، فكلمة «حزام» تعني قطعة من الجلد وغالباً تلف حول الخصر إما لتلزم الثياب أو لتثبت الخنجر أو السيف أو لتحمل أشياء أخرى حسب الطلب.

كلمة «خوص» وهي تعني ورق النخيل، وهذه هي الترجمة الظاهرة، فيما الترجمة الاجتماعية فهي بعيدة كل البعد عن كل ما قيل.

فالحزام نقصد به السند والقوة والدعم ودائماً نقوم باسقاط هذه الجملة دلالة على «التحسف» أو عندما يكون الشخص متيقناً بأنه اعتمد على من لا يعتمد عليه ووثق بمن لا يوثق به.

دعونا نسقط جملتنا في مثالين مختلفين لإيضاحمها بشكل أكبر، فلو فرضنا أن هناك شخصاً لديه مجموعة من الإبل ويريد أن ينقلها من بلد لآخر الأمر الذي يتطلب استخراج تصاريح من عدة جهات حكومية في البلدين وبالتالي يحتاج إلى مجهود كبير وإمكانيات من شخص لديه حس بالمسؤولية والحقيقة، أن من أوكلت له المهمة غير صالح لذلك فيقول له من يعرف هذا الرجل بأنه «لن يوصل إبلك إليك» ويقول له مستعملاً المثل...«حزامك خوص»... إذا كان هذا من قمت بتوكيله.

القصد أن ما تحزمت به كان قطعة من الخوص، فقط، ولا قوة لها بتاتاً فالخوصة مجرد ورقة شجرة وهذا دلالة على تشبيه قوة هذا الرجل بالخوصة.

في مثال آخر، إذ لو كان لديك فريق رياضي يخوض منافسات في لعبة ما وقمت بجلب مدرب كثر هذره واشتهر فشله، لكنه استطاع أن يقنعك بامكانياته وأعطيته مسؤولية الفريق ووعدك بأنه سيجلب لك البطوله وينافس عليها وبعد فشله في عدة مباريات تكتشف بأنك وضعت ثقتك في غير محلها فتقول بلسان حالك «اسميني تحزمت بحزام خوص»، أو يقول لك أحد زملائك «حزامك طلع خوص» وفي سياق آخر يقول ( اسمينّك ما تحزمت يوم تحزمت بهذا).

بهذا يثبت موروثنا الاجتماعي أنه موروث غني وله جذور تضرب في عمق التاريخ حيث تغلغل وأنتج مفرداته الخاصة التي شكلت خريطة حياة مجتمعنا في دولتنا الحبيبة.

هذا وللحديث صلة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات