صمت الصندوق الأسود

ت + ت - الحجم الطبيعي

فيما مضى من الزمان، كان أحد الأصدقاء المقربين لي يطلق علي اسم الصندوق الأسود، حيث إنني لا أتحدث كثيراً، وإن تكلمت أكون مقلاً في الحديث، بالرغم من أنني أعرف الكثير من الموضوعات، ومن مصادر مختلفة، حيث كانت الثقة والاحترام المفصل في هذه العلاقات، سواء من الجنس الناعم أو الخشن إن أحببت أنت ذلك.

وذات يوم، جلست مع أحد الأصدقاء، فقال لي: لماذا لا تكتب مذكراتك أو يوميات أيلول الأسود، إلى احتلال الكويت، ومن ثم تحريرها من ذلك القيد القاتل؟!

ألا تعتقد أن المجتمعات التي عشت فيها قد تشكل لك مخزوناً لا بأس به من المعلومات، فمن جامعة الكويت في عصرها الذهبي قبل احتلالها من التيار المحافظ والقاتل للإبداع، مروراً بعملك في الصحافة ومنها على سبيل المثال القبس، الخليج، وأخيراً جريدة البيان.

يطلق عليك بعض الأصدقاء أبو حظين!؟ ولا يدرك أولئك أنني لم أظلم أحداً حتى لو أساء إلي، بل أسامحه، وهو الذي يجب أن يطلبها، ومن هنا فإنك تنام سريعاً لا يشغل بالك الحقد على الآخرين، بل تطلب لهم الخير.

لقد تسبب الصمت في العديد من التهم التي لا أول لها ولا آخر، فمرة يعتقد البعض أنني من المتلصصين على الآخرين!

وتعود بي الذاكرة إلى ذلك المعلم فيما كان يتوقع مستقبل كل من طلابه في المستقبل.. إلخ، وحينما جاء دوري قال إنك إنسان مبهم وغامض ولا أدري ما مستقبلك؟!

كنت وما أزال أمارس القراءة في شتى المجالات، اللهم إلا الاقتصاد، فهو بعيد عن اهتماماتي، ولست أدري لماذا؟ أهي عقدة الأرقام والإحصائيات، ربما.

في هذه المقالة أود أن أبين أن للدكتور محمد غانم الرميحي دوراً في حب القراءة، بل إسقاط الخوف من الحديث أمام حشد من الناس، حيث طلب مني الحديث في موضوع حول مجتمعات الخليج والجزيرة العربية في جامعة الكويت.

اعتقدت للوهلة الأولى أنني سوف أتحدث مدة خمس دقائق فقط، إلا أن الحديث امتد نحو ثلاثين دقيقة من دون توقف، ودون النظر إلى الورقة التي أمامي، وبصراحة لا أحب القراءة من الورق في المحاضرات أو الندوات، بل إن الارتجال هو الذي يجعل خلايا المخ والعقل تسترسل بسلاسلة، ومن ثم تصل إلى الآخرين.

وأخيراً يبدو أن الصندوق الأسود قد كسر محققاً فترة صمت امتدت ثلاثة عقود أو يزيد من الزمن، وإن الكتابة عن تلك الفترة مهمة، ولا يمكن دفنها في ليل دامس الظلام، آخذين بعين الاعتبار أن الأعمار بيد الله تعالى.

طباعة Email