«سهيــل فــالمــا..»..

«سهيــل فــالمــا..».. هي جملة من صناعة الموروث الاجتماعي في دولة الإمارات العربية المتحدة، والتي اعتمدتها كمثل وأنجبتها الحكمة والبيئة الخاصة لدولتنا الحبيبة، ودعوني أشرحها لكم وأُترجمُها حرفياً، في البداية «سهيل» هو اسم «في» أي داخل «الما» يعني الماء.

فإذا أردنا أن نترجم الجملة بالكامل فهي تعني أن «سهيل» وهو شخص ما يوجد فالماء وهذا هو المعنى الظاهر لمن لا يعي ما المقصود بالجملة، والمعنى الأصلي للجملة هو أن «سهيل» ليس شخصاً بل أحد الطوالع أو النجوم والتي تسمى في موروثنا «الدرور» ومفردها «در».

وهنا أيضاً تختلط المعلومات فما دخل الطالع أو النجم في الماء! ولماذا أصبح مثلاً شعبياً؟ ومضربه عندما يكون هناك شخص لا تود أن يقوم صديقك أو من تتحدث معه بالانتباه إلى أن هناك شخصاً من المفروض أن لا يسمع ذلك الكلام، كونه إما أن يكون صاحب نقل كلام أو من الذين لا يحفظون السر أو من الذين الكلام يعنيهم وتريد من صاحبك أن يتوقف عن الكلام أمامه أو طفل من شأنه أن يستمع للكلام وينقله فوراً إلى من يتحدث صاحبك عنه فتقول له «سهيــل فــالمــا..».

والحقيقة أن نشأة هذه الجملة والتي تعد حكمة من الحكم التي أنشأتها باديتنا هي مغايرة تماماً لما تستخدم له حالياً، فبالنظر إلى الطوالع أو النجوم في الدولة «الدرور» فإننا نجد لكل «در» تغيرات مناخية مختلفة يقوم فيها الناس بالشروع في ممارسات كثيره وعلى سبيل المثال «الزراعة، الصيد، السفر، العلاجات الطبية...إلخ» و«سهيل» أحد تلك الطوالع وأهمها.

حيث إن «سهيل» هو إعلان بداية دخول الشتاء ونهاية الصيف، وهو بداية فتور درجة حرارة الماء في الآبار، وهو بداية لعملية فصل شتلات النخيل عن أمهاتهن وكلمة «فسلهن» معناها زراعة النخل وهو موسم لبداية اخضرار ورق شجر الصحراء والبعض يسميه في الإمارات موسم «نقض العود» وآخرون يسمونه «يدّ العسقه» ومن الأشياء التي تميز نجم «سهيل».

وإشارات طلوعه أن يبدأ الجو بالتحسن مساءً، وبالتحديد بعد المغرب وأيضاً تبدأ شجرة السمر بالاخضرار من الجانب الجنوبي الشرقي والذي هو مكان طلوع نجم «سهيل» ويظهر في السماء طائر السنوني أيضاً.

كما أنه موسم جيد خلال العشرة أيام الأولى منه لقص الخشب، كما أنه إذا سقط المطر خلال الأيام العشرة الأولى من طلوع «سهيل» سيستمر المطر طوال الشتاء وإذا لم يسقط في هذه الأيام كأنه يعلن بأنه لن يسقط المطر خلال هذا الشتاء.

وعليه فإن «سهيل» هو طلع «در» يفرح به الإماراتيون والذي هو سيكون من المتوقع ظهوره منذ الغد 16/8 ولغاية 22 أو 24/8 كأقصى حد لظهوره ـ أما عن تسميته بالضبط فهي أتت من أصحاب الجمال ألا وهم البدو وهي من علامات ظهوره والتي تشترك مع برودة المياه واخضرار السمر وظهور الطائر الذي ذكرناه سابقاً.

وتحديداً عندما يقوم البدو بسقي جمالهم الماء في أحواض صنعت من الطين تسمى «اليوابي» ومفردها «يابيه» فيقوم الرجل أو الرجلان بملء ذلك الحوض بالماء ليسقي جماله وتحديداً قبل صلاة الفجر أو بعدها بقليل قبل أن يشق النور طريقه إلى تلك الصحراء المترامية.

فتلمحه الناقة الصفراء فقط في الماء دون سواها فتفر خائفة من بريقه المنعكس على الماء في عينها فيقول لصاحبه مستبشراً «سهيــل فــالمــا..»، ويعلن ظهور «سهيل» وهنا انطلق موروثنا الغائر في أعماق جذور الأرض ليستشف من هذه الحادثة.

والتي تتمثل في كشف النجم دون أن يلمحه غيرها أو يعرف الناس بوجوده والتي تخبرهم به بردة فعلها العفوية، فيأخذه ويحوره ويجعله مثلاً ليبُث الحكمة والفراسة في الحياة اليومية بينهم في المجتمع، وهنا يثبت لنا هذا الموروث بأننا في صدارة ثقافات العالم منذ الأزل.

وللحديث صلة.

 

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات