الرحلات الصعبة بين الإسكندرية وروما

كانت كليوباترا حريصة على المضي إلى الإسكندرية ولقاء قيصر هناك، ولكن على الرغم من أنها كانت في مدينة ساحلية لا تبعد كثيرا عن الإسكندرية، فإن السؤال المطروح كان هو: كيف كان يمكنها دخول العاصمة ذاتها في الوقت الذي كانت سفن أعدائها الذين حكموا مصر آنذاك راسية في ميناء الإسكندرية؟

ولكن كليوباترا أظهرت كلا من ذكائها وشجاعتها في الانطلاق بحرا إلى العاصمة المصرية تحت جنح الظلام في مركب صغير. وبهذه الطريقة تمكنت من المرور دون أن يلحظها أحد وسط سفن الأعداء والرسو غير بعيدة عن القصر الذي كان قيصر يقيم فيه.

ولكن كليوباترا كانت لا تزال تواجه الصعوبات المتعلقة بشق طريقها وسط أعدائها الذين كانوا يحرسون كل المداخل المفضية إلى القصر، وقد حلت هذه المعضلة بلف نفسها في سجادة وحمل أتباعها هذه السجادة إلى الشاطئ حيث يشمخ القصر، ومن ثم تم فرد السجادة أمام القائد الروماني الذي امتلأت عيناه بالدهشة.

أسفر هذا اللقاء غير المألوف عن سقوط قيصر في عشق كليوباترا من النظرة الأولى، وكان في واقع الأمر رجلا يبلغ عمره ضعف عمرها، وقد استقطبه ذكاء الملكة الشابة وشجاعتها وشخصيتها الفذة والجذابة وأيضا كونها ملكة مصر بلا شك.

سرعان ما أدرك أعداء كليوباترا أن قيصر يعتزم إعادتها إلى العرش، وكان رجالهم يفوقون كثيرا رجال قيصر عدة وعددا وفي إحدى المراحل عندما وصل هؤلاء الأعداء إلى السفينة التي يستقلها قيصر، وجد هذا الأخير نفسه مرغما على القفز إلى البحر، وحالفه الحظ فتمكن من الهرب واستطاع بالفعل إيقاع الهزيمة بأعداء كليوباترا والعودة إلى الإسكندرية منتصرا. غمرت البهجة المصريين عندئذ عندما علموا بأن قيصر يعدهم بأنهم سيواصلون الحياة بحسبانهم أحرارا، وكان من الطبيعي أن يذهب بهم التفكير إلى أنه قد يرغب في جعل مصر جزءا من الإمبراطورية الرومانية، ولكنه بدلا من ذلك أعاد كليوباترا مجددا إلى عرش مصر.

بعد أن أمضى قيصر عاما في مصر، عاد إلى روما حيث قوبل بالتهليل والترحاب باعتباره الحاكم الوحيد لهذه الامبراطورية العظيمة.

وعندما كان قيصر في ذروة قوته أعد كليوباترا للقيام بزيارة رسمية إلى روما، حيث نزلت في أحد قصوره الشامخة هناك، وذلك في الوقت الذي وقعت فيه حادثة مروعة، فقد قتل يوليوس قيصر العظيم طعنا بالخناجر على يد مجموعة من شرفاء روما البارزين، وشعرت كليوباترا بالعجز هناك، فبادرت بالعودة إلى مصر دون أن تدري أي مصير سيكون في انتظارها بعد أن لقي حاميها مصرعه.

نشب صراع على السلطة بين المتآمرين الأكثر بروزا في صفوف قتلى قيصر وبين قائد الفرسان البارز مارك أنطونيو، وكان هذا الأخير يطمح إلى القيام بمزيد من الغزوات وللقيام بهذا كان يحتاج إلى مصر، ومن هنا فقد كتب إلى كليوباترا يدعوها للقائه في تركيا الحالية. كانت كليوباترا مصممة على أن تترك انطباعا لدى مارك أنطونيو، وهكذا مضت إلى النهر الذي كان سيلتقيان فيه على متن سفينة فارهة وهي ترتدي أفخر الثياب وصممت على دعوته لتناول طعام العشاء، وفي هذه المأدبة وقع أنطونيو في غرام كليوباترا.

عاد أنطونيو إلى مصر حيث عاش مع كليوباترا حياة مترفة في قصر بالإسكندرية واستمتعا بالحياة الثقافية والفكرية الراقية في العاصمة المصرية التي كانت تعد بلا نظير آنذاك من أثمن مدن العالم، وكانت الإسكندرية مركزا رفيعا للتعليم والثقافة في ذلك الوقت، واشتهرت بمتاحفها ومكتبتها العظيمة وعرف عن كليوباترا اهتمامها الشديد بالكتب. يقول المؤرخ المسعودي عن كليوباترا أنها كانت حاذقة في العلوم والفلسفة واتخذت من العلماء والباحثين أصدقاء لها.

اضطر أنطونيو أخيرا إلى هجر كليوباترا والانضمام إلى قواته في بلاد الشام وكان في ذلك الوقت قد أصبح هو وأوكتافيوس خصمين بل عدوين سيمتد بينهما الصراع طويلا.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات