00
إكسبو 2020 دبي اليوم

المشروع الثقافي العربي وتحريك الساكن

ت + ت - الحجم الطبيعي

لم يمر العرب بحالة يشعر المرء فيها بالإحباط مثلما يشعر اليوم حينما ينظر إلى خارطة الوطن العربي ويشاهد ما يراه من سفك دماء في سوريا والعراق وليبيا واليمن، والإرهاب الذي لا يَنفَك عن ضرب مصر وتونس ناهيك عن وجود إسرائيل التي ما زالت تستبيح أرض فلسطين، وتُدنِّس أغلى مقدساتنا، وتُهدّد الوجود العربي برمَّتِه.

ويأسف المرء ويتألم وهو يرى الوطن العربي وما يعانيه من احتلال وفقر وإرهاب وتجزئة وتناحر وطائفية، وصراع على السلطة وتبعية وتخلف واستبداد وتعصب.

ولننظر إلى الأمر من زاوية ثقافية وفكرية لنرى واقعنا وقد استبدت فيه مظاهر التقهقر الثقافي والتراجع في العطاء الفكري والنكوص في الإبداع الفني.

ألم تشكل ظاهرة داعش نموذجاً لظاهرة مرضية تنخر في جسد أمتنا، ظاهرةً تفوق خطورتها الجرائم الإرهابية التي اقترفتها من تقتيل وتدمير، ظاهرة تحدٍ ثقافية وفكرية لثقافتنا بما تطرحه من أفكار وممارسات تعمل ضد فكرة التسامح الديني، والتعايش المشترك، وضد الإرث الثقافي البشري، بتحطيمها الآثار وسرقتها، وتجريف المدن الأثرية، وهدم المساجد والأضرحة والكنائس؟

ألم تطرح العولمة تحدياً في إمكانية خلق نمط عالمي موحد، وباتت وسائل إعلامنا منابر للعولمة الثقافية تابعة للوسائل الإعلامية الغربية، مما يثير تساؤلات مبررة حول صيانة هويتنا العربية؟.

إننا بحاجة في الوطن العربي إلى مقاومة ثقافية وفكرية لكل تلك التحديات التي تواجه أمتنا. وهذا يستدعي من حكوماتنا أن تقوم بمراجعات أساسية في مناهج التربية في مدارسنا وجامعاتنا، ومراجعة شاملة لدور وسائل الاتصال الجماهيرية من حيث رسائلها وأسلوب تقديمها ولغتها؟

ولذا يصبح الحديث عن تعزيز الهوية الثقافية العربية في ظل العولمة أمراً ضرورياً. فالهوية الثقافية قوة فاعلة ودينامكية، تقود إلى تماسك الأمة والحفاظ على كيانها، ودفع عجلة تقدمها، والصمود أمام أية قوة أجنبية تحاول السيطرة عليها مادياً أو فكرياً، خاصة أن اللغة العربية تشكل أهم العناصر القادرة على صيانة الشخصية القومية للأمة العربية.

وهي المقوم الجامع لها والحاضنة لثقافتها مما يستلزم أن تكون اللغة العربية هي لغة التعليم الأساسية، وتقليص استخدام اللهجات المحلية وهيمنتها على بعض البرامج والمحطات التلفزيونية، وذلك لتعميم استخدام اللغة العربية في وسائل الإعلام والاتصال والمعلومات والاعتناء بها وتطويرها.

ونرى أننا بحاجة إلى مشروع ثقافي العربي يستند إلى فلسفة تنويرية مستمدة من ثقافة تؤمن بفكر مقاوم لأشكال الإرهاب الفكري والتعصب، وفلسفة قادرة على توجيه الفعل النهضوي الشامل للأبعاد السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية.

إن المشروع الثقافي العربي يجب أن يهدف إلى تحريك الساكن، لأننا ندرك بأن مسؤولية المثقفين الحفاظ على الحلم الوطني والقومي، وزراعة الأمل في نفوس أبناء الأمة.

وفي ظل الصراع الثقافي الدائر الآن، فإن هوية الأمة هي القادرة على التصدي للتيارات التي تسعى إلى تذويب شخصيتها، أو التي تعمل على تشويهها، وذلك من خلال تعزيز الانتماء للأمة العربية وبلورة فكر عربي أصيل متفتح على الحضارات المعاصرة، وقابل للتفاعل مع الثقافات الأخرى في إطار توازن يحافظ على التراث ويجدده، ويدعم عناصر الإبداع والتطوير والتقدم لدى الأمة وإشاعة ثقافة التسامح.

ومن هنا تأتي ضرورة تطوير العملية التعليمية وتعزيز دور الإعلام - بالتنسيق والتعاون بين المؤسسات التعليمية والثقافية - لتثقيف المواطنين وتنشئتهم، وتعريفهم بالتراث الفكري الوطني والقومي والإنساني، والارتفاع بمستوى التذوق الفني وإشاعة التفكير العلمي والنقدي والثقافة العلمية لديهم. وتوعيتهم بما يشهده العالم من تحولات لمواكبة التطورات المعاصرة في المجالات الثقافية والعلمية والتقنية والمهنية بالانفتاح على الثقافات العالمية.

 

طباعة Email