قطار التاريخ لن يعود للوراء

ت + ت - الحجم الطبيعي

صباح قاهري‏.‏ يصحو الرغيف قبل الناس‏.‏ تشم رائحة الرغيف الساخن الخارج من الفرن قبل الاستواء‏.‏ تحدق فيه‏.‏ هل مازال الرغيف أبو خمسة قروش يحاور الناس ويناورهم ويداورهم‏.‏

ربما يلاعبهم لعبة الاستغماية؟! شهادة متأخرة على عصر لم يعد له وجود. الخبز والحرية والكرامة والعدل الاجتماعي.

كان غيابها الطريق للتحرير. ولأن الرغيف يخرج من نار الفرن نصف استواء. من يذهب لشرائه لا ينسى أن تكون معه جريدة قديمة. أصفر ورقها من شدة قدمها. يفردها على الأرض بجوار الكشك. يضع عليها أرغفة كثيرة اشتراها. كل ما استطاع الحصول عليه أخذه.

يهويها بورقة أخرى من الجريدة. لا يعنيه المكتوب فيها. لا يلفت نظره صورها لا الكبيرة ولا الصغيرة. عينه على الأرغفة وتبخر قطرات الماء التي مازالت في العجين الذي لم يتحول لخبز بعد.

عندما تنتهي التهوية لو كانت معه حقيبة يضع الخبز فيها وينسى الجريدة الصفراء. يتركها يعبث بها الهواء. وهذا مصير ذلك الورق الجميل الذي يخرج للدنيا حاملاً الرؤى والخيالات والأحلام ومحاولات تسجيل الأمس وتدوين اليوم والتنبؤ بالغد.

تهاجمك الصحف إن تأخرت في الخروج من منزلك. كميات هائلة. يأتي كل صباح ومعه جرائده القديمة ومن بينها جريدة جديدة أو أكثر. أو مجلة لم تصدر من قبل. مكتوب عليها صحافة جديدة لمصر الجديدة. لو أسلمت لها عقلك الصافي مع صباح اليوم. لما تمكنت من استرداده أبداً. قد تقول عنه ـ عقلك ـ خرج ولم يعد.

الأبطال والأشرار يتجاورون معاً.

تجمعهم صفحة الجريدة بعد أن فرقتهم الحياة ومواقفها. تشاركوا في إزاحة الكابوس. الأبطال عندما قالوا لا. والأشرار لأن أفواههم لم تعرف سوى كلمة نعم. وأعينهم لم يملأها التراب. أكذب لو قلت إن ألسنتهم لم تعرف كلمة لا. قالها البعض في تشهده. هذا إن كان من الذين يمسحون الذنوب آخر النهار. يخطف ركعة أو ركعتين.

هل تأملت الجملة السابقة؟ حتى الصلاة كانوا يخطفونها. السؤال لا يكون عما خطفوه من كثرته. يتفوق على كنوز قارون ويزيد عما ادخره يوسف الصديق في السنوات السبع السمان تحسباً للسنوات السبع العجاف. لا مفر من أن يكون السؤال عن الذي سقط من ذاكرة الخطف.

تتأمل الأحوال. ثابتة يا مصر وما أكثر المتغيرات. تسأل نفسك: هل أنت متفائل؟ تهمس لنفسك: تفاؤل إجباري. لا تنس عند الكتابة أن تحذف كلمة إجباري. حتى لا تجد نفسك واقفاً في طوابير الفلول. ومفرد فلول فل ومؤنثه فلة.

سألتك المذيعة الحسناء ما الذي يقلقك في مصر الآن؟ كلمتك الأولى مأخوذة من صلب سؤالها: يقلقني. بلعت الكلمة في منتصف النطق بها. المتربصون في كل مكان. الكلمة الخارجة من فمك لا تصل لأذن المستمع بنفس معناها. سوء فهم أو سوء تفسير.

لم تعد الكلمات جسوراً للتواصل، ولا سككاً للمودة. ولا مقدمات للوصال. الحذر قبل النطق، التفكير قبل سماع أحرف الكلمة عبر صوتك. القتل رمياً بالشائعات. الفضائح أصبحت مادة للتسلية. لم يسألوا أنفسهم وماذا بعد الانتهاء من مسلسل الحكايات الشخصية. لم يتذكروا كلمات الشاعر رسول حمزاتوف عندما قال: إن اكتفيت بإطلاق رصاصك على الماضي. أطلق المستقبل ناره عليك. أكمل من عندي: قد يتوه الحاضر بين النارين.

الأمان الوحيد في بر مصر ـ هنا والآن ـ أن قطار التاريخ لن يعود للوراء. قد يتوقف وربما يتلكأ. لكنه لا وراء له. حتى لو أصيب سكانه بالنوستالجيا. وأعماهم الحنين للماضي عن استشراف المستقبل. فإنه سيمضي للأمام. ولابد أن يمضي لأن مجرد التوقف قد يعني العودة للخلف لأن الأمور قد تتجه للأمام بمنطق حركة الأشياء منذ بداية الكون وحتى قيام الساعة.لا أتذكر الآن من الثائر الذي كتب في مذكراته ما معناه: الويل للثوار إن كانت خطوتهم الأولى هي خطوتهم الأخيرة.

الويل لأبطال الثورات إن لم يعرفوا أنفسهم. إن هذا يمكن المتسللين لطوابير الثوار من أن ينسبوا لأنفسهم كل ما تم. حراسة الثورات أهم ألف مرة من القيام بها. لأن لصوص الثورات أذكى من لصوص المقتنيات.

ميدان التحرير لم يكن عند أبوابه دفاتر للحضور والانصراف. وكل من تقابله الآن يذكر لك اسمه وبدلاً من ذكر الأب والعائلة. يقول: كنت في التحرير. يكمل: كان قلبي فاير. وفي التحرير سويت الهوايل. حتى جاسوس العدو الإسرائيلي الذي أمسكت به يقظة مصر الكبرى كانت معه صورتان. الأولى وسط جماهير التحرير. والثانية وبيده الميكروفون يخطب في الناس. ألم يقل أجدادنا: الكعكة في يد اليتيم عجبة؟ الصهاينة قلقون لأن المصريين ثاروا وحققوا المعجزة. ويحاول الصهاينة سرقة ولو جزء منها.

حتى قاتل محفظ القرآن الكريم بحي الهرم سألوه: أين كنت لحظة وقوع الجريمة؟ رد بسرعة: كنت في التحرير. أكمل: حضرت جزءاً من جمعة الغضب الثانية. ولولا عمليات تتبع محموله لما تأكد المحققون أنه لم يهوب نواحي التحرير.

إنهم يسرقون المكان. يحولونه من مكان الحلم الكبير الذي خرجت من رحمه مصر الجديدة إلى أي مكان آخر. المشكلة أن الحقائق الكبرى تظهر ولكن بعد سنوات. أقول لنفسي من المؤكد أن من كانوا في التحرير في الثمانية عشر يوماً العبقرية التي غيرت مصر والوطن العربي والدنيا. من كانوا هناك. غير الذين يظهرون الآن. وقد يظهرون غداً وبعد غد في التحرير. وقد نجد أنفسنا في قادم الأيام أمام سؤال إجباري: تحرير من؟!

طباعة Email