اللغات أيضاً تمر بمنعطف صعب

ما الذي تتسم به لغة ما ويجعلها تظل على قيد الحياة؟ كيف تأتى للغة الانجليزية أن تبدو كما لو كانت قد اكتسحت العالم؟ وكيف لا يجري الحديث بها في انجلترا وحدها وإنما كذلك في دول يفوق عدد سكانها نظراءهم في انجلترا، مثل أميركا، كندا، استراليا، نيوزلندا...؟! ما الذي كان سكان هذه البلاد يستخدمونه كلغة لهم قبل أن تنطلق انجلترا وتفرض حضورها عليهم؟ كيف ظلت هذه اللغة بلا تغيير على صعيد فعلي؟ كيف تأتى على سبيل المثال أن رجلاً من نيوزلندا التي تفصلها مسافة شاسعة عن أميركا، يمكنه أن يمضي إلى نيويورك ويشعر بأنه في بلده تماماً من وجهة نظر اللغة؟

هنا وهناك في العالم أفلحت مجتمعات صغيرة في الحفاظ على لغاتها الخاصة، وهناك مثال جيد في هذا الصدد هو اللغة التي أكدت نفسها على جزيرة مالطا الصغيرة، ومن شأن نظرة فاحصة على هذه اللغة أن توضح لنا أنها مؤلفة من العديد من اللغات المختلفة، واللغة الأكثر شيوعاً من بين هذه اللغات هي الإيطالية بسبب القرب الكبير بين مالطا وإيطاليا، بينما تستخدم إلى حد كبير كلمات عربية أو مشتقة من العربية، رغم أن الكثيرين ممن يستخدمون تلك الكلمات ربما لا يدركون هذه الحقيقة، فعندما قام الغرب قبل قرون عدة بفتح مالطا والسيطرة عليها، هل كان الجميع يتحدث اللغة العربية الخالصة؟ ما الذي حدث أيضا في الأندلس، حيث لا تزال عدة دزينات من الكلمات المستمدة من اللغة العربية شائعة الاستخدام، وما من أحد إلا إذا كان باحثاً يمكنه أن يدرك أنها تضرب جذورها في اللغة العربية؟!

من بين كل البلاد التي نجحت ليس في الحفاظ على لغتها الأصلية فحسب، وإنما في نشرها في أرجاء العالم، لا بد أن انجلترا تحتل المرتبة الأولى. وبينما تحقق ذلك في المقام الأول من خلال الغزو العسكري، فإن البريطانيين لم يقوموا بأي محاولات جادة لجعل الإمبراطورية البريطانية وحدة واحدة.

وعلى سبيل المثال، عندما بدأت الحرب العالمية الأولى عام 1917، لم تبذل محاولة لإرغام من يقطنون الامبراطورية البريطانية على المشاركة فيها. وفي المقابل، فإن الفرنسيين حرصوا على إدخال لغتهم باعتبارها اللغة الوحيدة التي يمكن الحديث بها في البلاد التي غزوها.

على سبيل المثال، فإن المرء عندما يتحدث العربية في تونس أو المغرب، فإنه يظهر جهله بالفرنسية.

وإذا حدث على نحو ما فعلت في العديد من المناسبات في مطاعم في مراكش، المدينة التي أقطنها الآن، أن أصررت على الحديث باللغة العربية، فإنه يتعين علي أن أوضح أنني لست ملماً بالفرنسية، وبعد إرغام النادل بهذه الطريقة على أن يحدثني بالعربية، يمضي في الإعراب عن دهشته لأنني وأنا الذي يبدو بوضوح أنني لست عربياً، يمكنني الحديث بالعربية بمثل هذه السهولة.

ومن ناحية أخرى، فإنك إذا خاطبت نادلاً في القاهرة باللغة العربية، فإنه يجيبك باللغة نفسها ولا يظهر دهشته من أن شخصاً من الواضح أنه ليس عربياً يتحدث العربية بطلاقة بالغة.

غير أن اللغة العربية تتغير الآن تدريجياً، ولم يعد بمقدور المرء الاعتماد على معرفة اللغة الفصحى، وفي وقت من الأوقات كان الاعتقاد سائداً بأن ما يتعين القيام به هو الحديث بالعامية، ولكن عندما يتعلق الأمر بالكتابة يجب أن تكتب باللغة الفصحى، التي أنزل بها القرآن الكريم. لكن هذا يتغير الآن، وفي وقت من الأوقات ساد الاعتقاد بأن المرء عندما يكتب فإنه ينبغي أن يكتب بصيغة اللغة المكتوبة، بينما يتحدث شكلاً مبسطاً من تلك اللغة.

غير أن الكتاب الأصغر سناً كانوا يستخدمون العامية تدريجياً في كتابتهم، ويرجع ذلك إلى الفارق الشاسع بين العربية المكتوبة والعربية المنطوقة.

هكذا فإنه حتى الأفراد الذين كانوا قادرين تماماً على استخدام الشكل الفصيح من اللغة، لا يقومون بذلك عندما يتجاذبون أطراف الحديث. وفي حقيقة الأمر، فإن التيار بأسره يمضي نحو توظيف العامية في كل من الحديث والأدب، وكأنما هناك رغبة في الاستغناء عن اللغة المكتوبة، بالطريقة نفسها التي تم بمرور الوقت عبرها إحلال العديد من اللغات المختلفة محل اللاتينية التي اشتقت منها هذه اللغات.

يسعى الناس اليوم لجعل الأشياء أكثر يسراً وليس أشد صعوبة، واللغات ليست استثناء من هذه القاعدة. واللغة العربية حتى الصيغة المحكية منها، ليست سهلة ولا يسيرة، فلماذا على سبيل المثال يتعين أن توجد صيغ الجمع لكلماتهم في كل هذه الأشكال العديدة المختلفة؟

طباعة Email
تعليقات

تعليقات