ثقافة الحوار

ت + ت - الحجم الطبيعي

في الاحتفال بعيد العلم الذي كرّم فيه رئيس الجمهورية عدداً من علماء مصر الأفاضل بالكليات العلمية قال الرئيس في كلمته إنه يدعو إلى «بناء مجتمع يتعّلم ويفكّر ويبتكر».

وتقديري أن أي مجتمع يريد أن يتقدم وأن يكون له مكان في عالم اليوم. عالم ثورة المعلومات – لابد وأن يشجع العلم والعلماء ويضعهم في مكانهم الصحيح وأن يحاول أن ينقل العلم من مجرد النظريات إلى الحياة العملية بحيث يستفيد منه الشعب في كل المجالات، وفي مقدمتها الصحة الجسدية والعقلية والنفسية. ذلك أن المقولة القديمة «العقل السليم في الجسم السليم» تظل صحيحة ومحتاجة إلى رعاية.

وتقديري أن هذه المبادرة التي تدعو إلى بناء مجتمع «يتعلم ويفكر ويبتكر» هي مبادرة تستحق التقدير وأكثر من التقدير النظري تستحق أن ننقلها إلى واقع الحياة بحيث تكون دور العلم بما فيها الجامعات والمعاهد ومراكز الأبحاث كلها مواطن للعلم والتفكير والابتكار.

ان معرفة ثقافة الحوار بمعنى كيف نتحاور مع بعضنا البعض سواء كنا علماء تطبيقيين أو مجرد مفكرين عاديين– معرفة ثقافة الحوار مقدمة أساسية وضرورية لبناء مجتمع يعرف كيف يفكر ويتعلم ويبتكر.

ما أجمل هذا المثلث الرائع: التفكير والعلم والابتكار. وما أجمل أن يعرف أهل هذا المثلث الرائع أن ثقافة الحوار تسبق ذلك وتحتاجه بالضرورة.

كيف كان ذلك وما هو معنى ثقافة الحوار؟

بطبيعة الحال فهولاء العلماء الذين يفكرون ويبتكرون لا يعيشون في جزر منعزلة ولا يعيش كل واحد منهم في عالمه الخاص به. طبيعي أن هؤلاء العلماء يعمل بعضهم مع البعض الآخر. ولما كان هذا طبيعيا فإنه سيكون بينهم نوع من الحوار. هذا طبيعي.

فكيف يكون الحوار مجديا ومثمرا ويؤدي إلى ما يراد من تحقيق مجتمع علمي قادر على الابتكار لمصلحة جماهير هذا الشعب الذي يحتاج إلى عمل جاد – وليس مجرد كلام – في كل مجالات حياته التي يغلّفها كثير من الاحتياج إن لم نقل كثير من الأوضاع المتردية والبائسة.

إن هذه المبادرة التي أطلقت في عيد العلم وكل الحوارات التي يشهدها المجتمع والتي يتفضل بعض منظميها أحيانا بدعوتي إليها دليل على حيوية هذا المجتمع وعلى أنه يتطلع فعلا إلى الإيمان بالتقدم والابتكار.

وتقديري أننا لكي نحقق ذلك لابد وأن نتقن فن الحوار. فكيف يكون ذلك. هذا مربط الفرس كما يقولون، هناك أساسيات لثقافة الحوار وأول هذه الأساسيات أن لا يبدأ أي طرف الحوار وهو يعتقد أنه يملك الحقيقة ولا يقبل مناقشتها. هنا سيتوقف الحوار قبل أن يبدأ. وعلى ذلك فإن أول أساسية من أساسيات ثقافة الحوار هي أن يبدأ الطرفان وكل منهما مستعد لسماع رأي الآخر ومناقشته وقبوله أو رفضه بعد المناقشة وليس اتخاذ موقف مسبق قبل بدأ الحوار.

كذلك وكثيرا ما نشاهد هذه الظاهرة – التي سأتحدث عنها حالا – أننا أحيانا عندما نكون مجموعة نريد أن نتحاور حول موضوع معين أن يتكلم أكثر من واحد من أفراد المجموعة في نفس الوقت. حتى في أعلى المستويات الفكرية نجد هذه الظاهرة المأساوية التي تعني أن شهوة الحديث تسبق فن الحوار.

ثقافة الحوار تعني أن نتقن فن الاستماع قبل أن نتقن فن الكلام.

أعجبني عنوان قرأته في واحدة من الجرائد الكثيرة التي أحاول أن ألم بأهم ما فيها- يقول ذلك العنوان «لا سبيل لاستقرار الدولة إلاّ بالحوار الحقيقي».

ولعل صاحب هذا العنوان يقصد أنه في قضايا المجتمع الجوهرية لابد وأن تجرى حوارات حولها من أصحاب الرأي والخبرة وأيضا – وهذا مهم جدا –من أصحاب المصلحة في القضية المطروحة مثلا لا يتصور أن يجري حوار حول قانون الانتخابات والدوائر الانتخابية لا يحضره ممثلون للأحزاب السياسية مهما بلغ ضعفها وتشرذمها فإن اشتراكها في الحوار يغني الحوار قطعا ويؤدي إلى إثارة جوانب عديدة وجديدة للموضوع.

وهكذا عندما نناقش موضوع الجمعيات الأهلية فإن اشتراك أصحاب المصلحة الفعلية في الحوار يبدو أمراً ضرورياً.

إن ثقافة الحوار أمر لازم لمجتمع العلم والمعرفة والابتكار.

 

طباعة Email