لغات على حافة الهاوية

قرأت في أحد المقالات، بعض الحقائق المحزنة عن اللغات التي تتعرض لتهديد الاختفاء كلية من عالمنا، على نحو لم يكن من الممكن تصوره حتى وقت جد قريب.

فاللغة المهددة بالاختفاء هي لغة تتعرض لخطر عدم استخدامها، مع وفاة الناطقين بها أو انتقالهم للحديث بلغة أخرى.

ويحدث فقدان اللغة عندما لا يكون لها من أهلها من يتحدث بها، وهكذا فإنها تصبح لغة ميتة، وعندما لا يتحدث أي شخص بها على الإطلاق فإنها تصبح لغة منقرضة.

الحقيقة الأولى التي تلفت نظرنا في هذا الصدد، أن هناك لغة تموت كل 14 يوماً، وهكذا فإنه بحلول القرن المقبل، فإن حوالي نصف السبعة آلاف لغة التي يجري الحديث بها اليوم سيكون عرضة للاختفاء، مع تخلي المجتمعات عن لغاتها لكي تستخدم غيرها.

وأدرج ما يزيد على ألف لغة في قوائم اللغات المعرضة لخطر الاختفاء بصورة قاسية، بمعنى أنها تقف على حافة النسيان.

وفي عالم معولم ومتواصل بصورة متزايد، فإن اللغات التي يتم الحديث بها في أماكن نائية، لم تعد تحميها الحدود الوطنية أو الحواجز الطبيعية من اللغات التي تهيمن على الاتصال والتجارة العالميين.

والآباء في القرى الغنية غالباً ما يشجعون أبناءهم على الانتقال من اللغة الوطنية التي تحدثها أسلافهم، في اتجاه اللغات التي ستسمح لهم بالحصول على قدر أكبر من التعليم والنجاح.. ومن يمكن أن يلومهم؟

ووصول التلفزيون بنزعته المادية العالمية ورفاهيته لا يقاوم بشكل أكبر، ويبدو أن الرخاء يتحدث الإنجليزية.

ومع اختفاء اللغات غير المكتوبة وغير الموثقة، فإن الإنسانية لن تفقد ثروة ثقافية فحسب، وإنما معرفة مهمة انحدرت من الأسلاف واكتنزت في لغات أهلية بعينها.

وإنقاذ اللغات ليس شيئاً يمكن للغويين تحقيقه، لأنه ينبغي أن يأتي من الداخل، واللغة تتبع السلطة في زمن معولم ومتجانس بصورة متزايدة، واللغات التي تهيمن على الاتصال العالمي والتجارة الدولية تقفز عبر الحدود السياسية والفواصل الجغرافية، وتدفع باللغات الأضيق نطاقاً إلى الانقراض.

نصف العالم تقريباً يتحدث عشر لغات تنتمي إلى القمة، وهي تشمل الإنجليزية، الإسبانية، العربية، الصينية، الهندية، البنغالية، البرتغالية، اليابانية والألمانية. ويعد جانب من فقدان اللغة أمراً طبيعياً ومتوقعاً، فما من لغة توجد للأبد.

تماماً كما أن النباتات والحيوانات قد ظهرت واختفت عبر ألوف السنين، فإن اللغات تتطور وتنمو وتنتشر وتموت بالفعل، وفي بعض الأحيان تحل محلها لغات منحدرة منها، كما حلت اللغة الإيطالية تدريجياً محل اللاتينية.

وكانت اللغة السلتية في وقت من الأوقات، يجري تداولها في جنوب غرب إنجلترا، وقد انتهى أمرها فجأة في عام 1777 عندما توفي آخر ناطق بها، ولكن هذه اللغة عادت في السنوات الأخيرة، حيث بدأ أبناء قبائل الكورنيش باستخدام الوثائق الباقية في تعلم لغتهم، بل والتحدث بها مع أطفالهم، وبدأت إشارات الطرق في الانتشار بهذه اللغة وبالإنجليزية، وفي الوقت الحالي فإن حوالي ألفي شخص يتحدثون هذه اللغة.

وفي غضون ذلك، في العالم العربي نعرف أن الكثير من اللهجات قد ماتت بالفعل، لكن اللغة العربية الفصحى التي استمدت منها لهجات اليوم، لا يزال يجري تعليمها في المدارس على امتداد العالم العربي، رغم أنه في الكثير من المدارس الخاصة يتم تفضيل اللغة الإنجليزية على اللغة العربية.

وتحل اللغة الإنجليزية محل العربية في بعض دول العالم العربي، الأمر الذي يثير القلق ويدعو إلى الحفاظ على هذه اللغة وعلى أولوية الثقافة المحلية.

ونحن نعلم أن فقدان لغة ما يلحق الضرر بالتنوع الثقافي في العالم، ومن دون الإلمام باللغة والتمسك بها فإنها تموت، وكذلك تموت معها قيمها وتاريخها وقصصها.

 وفي الكثير من الحالات تموت اللغة نفسها، ولكن بعض أدبها يواصل الاستمرار على شكل ترجمات للغات أخرى، وهكذا فإن لغتي إيطاليا واليونان القديمتين تتم دراستهما اليوم عبر الترجمات إلى لغات أكثر سهولة ورواجاً.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات