همّة المصريين

ت + ت - الحجم الطبيعي

دعاني الفريق أول صدقي صبحي وزير الدفاع والإنتاج الحربي القائد العام لقوات مصر المسلحة، لحضور افتتاح الرئيس عبد الفتاح السيسي لعدد من المشروعات الجديدة التي نفذها جيشنا، ومن بينها الإنشاءات الجديدة في مستشفيي الجلاء.

وتم الافتتاح بحضور المشير محمد حسين طنطاوي، في أول ظهور له بعد ما نشرته الصحف عن مرضه، لكن يبدو أن حضور طنطاوي له بُعد آخر لأن عدداً من مشروعات القوات المسلحة الجديدة يحمل اسمه.

ثم إنه جرى بينه وبين الرئيس السيسي أطول حوار هامس شاهدته في حياتي، على مدى مراحل اليوم. وحسب الجدول الزمني. كان من المفروض أن يصل الرئيس في الثامنة صباحاً، وبالدقيقة والثانية جاء لحظتها.

وقد رأيت الرئيس السيسي من قبل أكثر من مرة، أولاها عندما جاء لضريح الزعيم الخالد جمال عبد الناصر حين كان وزيراً للدفاع، ثم تكررت اللقاءات لكن أطولها وأهمها كان ضمن اللقاءات التي عقدها كمرشح للرئاسة مع عدد من المثقفين، وهو اللقاء الذي دام أكثر من خمس ساعات متصلة.

في مسرح الجلاء عرض رئيس الهيئة الهندسية في القوات المسلحة للمشروعات التي تنفذها الهيئة الآن، وقال إن جملة هذه المشروعات تصل إلى 2000 مشروع. وهنا أضاف الرئيس السيسي بحس سياسي أن هذه المشروعات ينفذها مدنيون، وأن حوالي خمسين ألف مدني يعملون فيها، وأنه لا يعمل بالمشروعات أي مجند من مجندي القوات المسلحة.

وقد استرحت للجملة الأخيرة، لأنني أدركت أن كل هذا الجهد الجهيد الذي تقوم به القوات المسلحة في حياة المدنيين، لا يتم على حساب الدور القتالي لجيشنا ولا تدريباته ولا تحديث أسلحته، ولا القيام بمناوراته التي تؤهله لدور مصري وعربي وشرق أوسطي. ثم افتتح الرئيس عن طريق «الفيديو كونفرانس» 21 مشروعاً جديداً، وهو تطور مهم.

ولكي أشرح للقارئ، فبدلاً من أن يذهب الرئيس إلى الأماكن التي يتم الافتتاح فيها ويتم القيام بإجراءات طويلة ومعقدة، يتم الافتتاح عن طريق الفيديو كونفرانس بمتابعة منه، ويرفع اللافتة عن النصب التذكاري للافتتاح المسؤول عن كل موقع.

ومن كثرة الافتتاحات تصورت أن المتابعة يمكن أن تدخل في ميدان الروتين، لكن يقظة الرئيس جعلته يدرك أن أحد هذه الافتتاحات قد جرى تسجيله، والحوار الذي سيجرى بينه وبين المسؤول في الموقع ليس حواراً حياً فيه سؤال وجواب.

وحاول الرئيس أن يتحدث مع المسؤول في الموقع، وكان المدني الوحيد وسط مسؤولين عسكريين كثر، فاكتشفنا حكاية التسجيل، وقد تعامل معها الرئيس بتعاطف وضحك..

تكلم الرئيس السيسي ثلاث مرات خلال العروض، إما معلقاً أو مُنبهاً أو مقدماً إيضاحات. قال إن قناة السويس الجديدة ليست المشروع الوحيد، وعلى الرغم من أهمية القناة بالنسبة لحاضر مصر ومستقبل المصريين، فثمة مشروعات أخرى كثيرة تنفذها القوات المسلحة لمصر.

لاحظت غضب الرئيس خلال الكلام، وما أندر غضبه، فابتسامته هي ما يصلنا منه. كان غاضباً لدرجة أنه منع نفسه من الاسترسال في الكلام ثلاث مرات، وعندما نقرأ ما قاله بعد الغضب أو خلاله سندرك الحكايا التي لم يحب أن يقولها بشكل مباشر.

فالرجل يعتمد على التعبير غير المباشر كثيراً، ويلجأ للرمز في أحيان كثيرة. قال الرئيس السيسي إن البعض يتساءل عنه «ولهؤلاء أقول: أنا لا أباع ولا أشترى، وولائي الأول والأخير لله والوطن»، وانه لا يحب أن يتدخل أحد بينه وبين المصريين، وانه سيحاسب وحده يوم القيامة، وان الفساد لن ينتهي بقوانين وإجراءات تقليدية، لكن بإرادة حقيقية.

ومفهومه للفساد أشمل مما نتكلم عنه، فالفساد ربما في نهب الوطن وتجريفه. لكن الرئيس يرى أنه حتى الموظف الذي يذهب إلى عمله ولا يؤديه بإتقان، يمارس فساداً لا بد من الوقوف أمامه.

تحدث مطولاً عن همة المصريين التي لا بد أن تكون في أحسن حالاتها، وقال (وربما كانت المرة الأولى التي نسمعها من حاكم مصري): إن الشعب المصري ثار مرتين وسيخرج في المرة الثالثة إذا لم يعجبه الحال.

 هل كان يحذرنا؟ هل كان يحذر المصريين؟ لكن أن يكون هذا الكلام جزءاً من رؤيته، يحمل أكبر قدر من الاطمئنان لي، لأن الرجل قادر على قراءة الوجه الآخر من الصورة، ولا يدهشه ويسعده الوجه الأول الذي يقدم له. لكنه يبحث عن الأعماق تحت السطوح البرَّاقة، حتى لو كان في الأعماق ما يزعج. الأسطح البراقة ترضي، لكن الأعماق هي الأهم.

 

طباعة Email