منير الشعراني وجمالية الخط العربي

تحت عنوان «عكس التيار.. الذهاب إلى المنبع»، قدم الفنان التشكيلي السوري يوسف عبد لكي، أعمال صديقه الخطاط المبدع منير الشعراني. والشعراني كان صديقي لسنوات عدة، عندما كان يعيش مع عائلته في القاهرة، وأنا أقدر أعماله كثيراً، وسعيد بأن أرى تحفاً كثيرة منها موجودة في مكتبي، كان قد أهداني إياها منذ سنوات عدة.

وكما سبق أن قال العديد من الناس، تعد أعمال منير راسخة ودقيقة ومتقشفة، لكن الأهم أنها ممتعة للنظر. ومنير الشعراني يعتبر اليوم أحد الخطاطين القلائل الذين تولوا مهمة سد الثغرة الفاصلة عن إعادة النظر بهذا المجال، بدلاً من التحسين الفعلي عليه.

وما نعرفه هو أن منير عندما كان في العاشرة من عمره، كان أحد تلاميذ بدوي الديراني الذي كان كبير معلمي الخط العربي في سوريا في تلك الأيام. وكان الديراني فناناً، وقد اعتقد بأن عدداً كبيراً من الخطاطين في الشام غير موهوبين..

وكان يعلمهم دون مقابل، وأسلوبه كان فارسياً في الأساس. ووفاة «المعلم» في عام 1967 لم تؤثر بطريقة سلبية على الشعراني، وبدلاً من ذلك دفعته للبدء بمهنته. فدخل منير سوق الخط العربي عندما كان في الخامسة عشرة من عمره فقط.

وخلال سنواته الأكاديمية الأولى في كلية الفنون الجميلة في دمشق، يتذكر أصدقاؤه ما قاله المدرس وكان حينها «حلمي حباب» في أول صف للخط العربي، عن أعمال الشعراني: «اذهب إلى البيت، يا بني، ثم ارجع في نهاية السنة، فأنا ليس لدي ما أعلمه لهذا الطالب».

وقد بذل الشعراني، على مدى خمس سنوات، جهوداً هائلة في قسم الزخرفة لاختيار موضوع وتقنية لمشروع تخرجه الذي لم تكن له أي علاقة بالخط.

وقدم مشروعاً عن الملصقات السياسية التي تتعامل مع القمع العسكري والعنف، مستخدماً تقنية التصوير الفوتوغرافي، مما ساعده في إيجاد مفهوم الغرافيك الحديث، الذي سوف يؤثر بطريقة غير مباشرة على أعماله في مجال الخط مستقبلاً. انتقل إلى بيروت، حيث عمل كمصمم غرافيكس للمطبوعات هناك، وسرعان ما أصبح المصمم الغرافيكي الذي يريده الجميع على غلاف كتبهم.

ثم وصل في عام 1985 إلى القاهرة، حيث انفتحت أمام منير الشاب حياة جديدة، على الصعيد الشخصي والمهني. وقد عمل جاهدا لعدة سنوات، قبل أن تفتح أخيرا في عام 1987 صالة العرض في وسط المدينة المعروفة باسم «أتيليه القاهرة» أبوابها لأعماله..

وحقق أول معرض له نجاحاً باهراً، وشكل أيضا اندفاعة في مهنة الشعراني. في معرضه الأول، تمكن منير من عرض كل تقنيات الخط العربي دفعة واحدة. وبحلول عام 1988، كانت أعمال منير قد عرضت في مصر وكل أنحاء العالم العربي، ثم جاء اليوم الذي كرمه فيه متحف «ريتبرغ زيوريخ » في سويسرا من خلال دعوته لإقامة معرض خاص له وحده هناك.

وسرعان ما تم تكريمه في ألمانيا عام 1999 حيث تم إعداد جناح خاص له في معرض «سفن هيلز فير» الفريد. وكان عنوان المعرض «معالم الحضارة الإنسانية وتاريخها». وفي السنة نفسها عرضت أعماله في دار الأوبرا في القاهرة.

وما يعطي القوة لأعمال الشعراني قد تكون متانة الخط وحداثته وتلك الكتل الصغيرة التي تقيم حواراً مع الكتل الأكبر حجماً، والأقواس، والمحاور المتوازية هندسياً بدوائر أو مربعات والمتصلة بكتلة الخط المحيطة بها. كل هذا يشكل متعة للنظر، في اختلاف كبير عن الأعمال التقليدية لخطاطين آخرين.

وألوانه أيضا تلعب دوراً رئيساً في أعماله، فبعضها عبارة عن ألوان معاكسة، وبعضها الآخر ألوان مدمجة، ثم ألوان داكنة في تناغم. وهو يستخدم عبارات حديثة وقديمة على علاقة وثيقة بحياتنا المعاصرة، ولا يجب أن ننسى أن الشعراني يعتمد على الخط العربي التقليدي، وهنا تكمن قوته.

اليوم يعمل الشعراني على تحديث فن الخط القديم والحفاظ عليه وإعطائه الشهرة التي يستحقها. وأعماله اليوم سوف تجدها في بيوت العديد من جامعي التحف الفنية في العالم العربي وفي أوروبا، وبالطبع في أهم متاحف الخط العربي.

وأنا فخور بأن تكون بعض أعماله معلقة على الجدران في مكتبي، واستمتع كثيراً في كل مرة أنظر إليها.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات