كلنا راحلون ويبقى الأثر

كم علاقة بدأت كحلم جميل وتطورت لتتحول إلى كابوس مزعج، يظهر فيه الطرف الآخر على هيئة أفعى لا تتردد في حقن السُم القاتل في شرايين الصديق أو المحبوب، لتتسبب بأذى نفسي يكون أشد إيلاما من طعن السيوف. جرح الصديق يعتبر خيبة أمل لمن ظن أن هذا الشخص الذي تغلغل في شغاف القلب بسبب إنسانيته وعمق شخصيته، سيكون خير صديق في زمن الأقنعة والوجوه المتعددة.

رحلة الحياة مع الأصدقاء في الأيام الأولى تكون دائما مميزة، يتم فيها إبراز أجمل الصفات، فهم يشعرون مع كل ذي حاجة ولا يرتاح لهم بال إذا وجدوا من يطلب العون. حتى تمر الأيام وتصاب بدهشة الاكتشاف من بعض الأصدقاء، وكلما تعمقت في العلاقة أكثر بدت الأمور واضحة أمامك، فتشعر بالضجيج الداخلي الذي يشل الدماغ ويغتال الفكر.

يرتعش القلب حين يبصر الصديق رؤوس سهام يصوبها ذاك الشخص الذي لطالما كانت كلماته مقنطرة بالعذوبة والرقة والمواقف التي يشار لها بالبنان، والتي أوصلته إلى منزلة الأخوة. "احذر عدوك مرة واحذر صديقك ألف مرَّة.. فلربما انقلب الصديق فكان أعلم بالمضرة"، يقولها كل متضرر جراء خيبات متخثرة بأعماق الروح، تتبعثر فيها حروف الصداقة وهو يحمل في طياته شحنة غضب على هذا الصديق الذي لم يتهاون للحظة أن يسقيه مرارة الظلم.

الدنيا دار فناء والآخرة دار بقاء، فلمَ الانشغال بإعداد طرق للانتقام أو تلقين الآخرين الدروس "لازم أردلها الصاع صاعين"، هل هذا ما حثنا عليه ديننا؟ الصداقة هي كلمة سامية ومقدسة لدى البعض تكون مبنية على الحب في الله، والبعض الآخر لديه كم هائل من الأصدقاء والأحبة، ولكن مبني على أساس كذب وزيف ومصالح.

الأصدقاء الحقيقيون حين تغرق في بحر الحياة وتهجم عليك أمواج الهموم، تجدهم يتسابقون لكي يمدوا لك يد العون، فتثق فيهم وتعيش معهم أجمل الأوقات. أما المتلونون فهم يتلونون حسب أهوائهم ومصالحهم التي يخيّل لك أنّها لا يمكن أن تستقر على حال، فالأفضل أن تقلص العلاقة معهم.

تتردد على مسامعنا تجارب عدة لصديق خائن أو ظالم وحبيب غادر لم يقدر العشرة.. وهلمَّ جرَّا.

ويبقى السؤال هل هذا السيناريو لا بد أن يتكرر في أي علاقة أم أنه ناتج عن فقد البعض فن التسامح وطيب النفس والأخلاق السامية أو أن أحد الطرفين له مصلحة شخصية من هذه العلاقة؟ بعض الأشخاص يخدعك أسلوبهم، فالظاهر يجعلك تأخذ الانطباع الأول "ما عليها زود، قلبها طيب"، حتى تتوغل أكثر وأكثر في هذه العلاقة فتصدم باسوداد القلب وسوء النية، فتبحر في هذه العلاقة وأنت تتجرع الآهات في داخلك من غدر هذا الصديق.

غدر الأحبة ما هو إلا ابتلاء يعد رحمة، فكن على يقين أن كنوز الحظ ستتناغم بعد عثراتك الكبرى.

قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "عَجَبًا لأمرِ المؤمنِ إِنَّ أمْرَه كُلَّهُ لهُ خَيرٌ وليسَ ذلكَ لأحَدٍ إلا للمُؤْمنِ، إِنْ أصَابتهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فكانتْ خَيرًا لهُ وإنْ أصَابتهُ ضَرَّاءُ صَبرَ فكانتْ خَيرًا لهُ"، رواهُ مُسْلِمٌ. ظلم الأصحاب أو الزوج أو المدير، ما هو إلا ابتلاء والابتلاء يدل على حب الله لك، فالله يبتليك بالأذى ممن حولك حتى لا يتعلق قلبك إلا بالله، فيعود الإخلاص إلى قلبك وتعتاد العبادة فينشرح صدرك، وستعلم مع مرور الأيام أن ما اختاره الله لك كان خيرا.

الحياة مهما طالت فهي قصيرة، فلا مبرر أن نضيع هذه الحياة القصيرة في الحزن وترك أصدقاء الخير وتصيد أخطائهم، فكل ابن آدم خطاء. لقد أصبح بعض الأشخاص يقتربون من رفاق السوء ويبتعدون عن أصحاب الخير الذين يعينون على الطاعة، فأصبح الصديق ينفر من صديق الخير فلا يصبر على هفوة منه ولو كان عمر الصداقة دهراً، فيبيعه غير آسف وغير متيقن أنه قد يرحل يوما بأمر ربنا.

ينتاب إحدى الفتيات شعور ملح بالرغبة في زيارة صديقتها شخصياً، لتأدية واجب العزاء في وفاة جدها رحمة الله عليه، ولم تتهاون لحظة عن القيام بهذه الزيارة، رغم تعلل البعض بحجة الانشغال.

الغريب في ردة فعل صديقتها أنها كانت تعانقها بحرارة واشتياق بعد العزاء، وكأنها متيقنة أنه قد يكون آخر لقاء لها معها، وبعد أسبوعين تتفاجأ الفتاة بصوت بكاء أختها من خبر الفاجعة المؤلم، فقد انتقلت الصديقة التي ذهبت لتعزيتها إلى الرفيق الأعلى إثر تعرضها لحادث مروع.. رحلت لتشعل لهيب الشوق وتغرق الدموع في عبرات الآهات. الراحلون بذكرياتنا الجميلة معهم، أسماء لا تنسى في ملف الذاكرة، وكلنا راحلون ويبقى الأثر.

تعليقات

تعليقات